المكان/ 1رجب – 60هـ
المكان/ دمشق – الشام
الموضوع / وفاة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان أول ملوك الإسلام.
الأحداث/
سبق أن قلنا في صفحات سابقة أننا لا نؤرخ لحياة الصحابة أو سيرتهم التي هي أكبر من أن تؤرخ لها وكفانا مؤونة أفذاذ العلماء الذين استقصوا سيرتهم وأخبارهم على الوجه الأمثل ولكن هناك بعض شخصيات الصحابة لابد أن نقف عندها طويلاً ونحلل حياتها ومواقفها لما كان في حياة هؤلاء من الكثير من الفعاليات والأحداث المتلاحقة والتي أغلبها ذات شجون , ولا يعلم أحد من الصحابة تعرضت سيرته للتشويه والإساءة المتعمدة حتى أصبح في حس كثير من المسلمين طاغوتاً من الطواغيت وجباراً من الجبارين وليس من الصحابة الطاهرين مثلما حدث لمعاوية بن أبي سفيان الذي أشعل الشيعة الأرض من تحت سيرته وتاريخه ناراً وأهالوا على أعماله التراب ولفقوا الأخبار الكاذبة عليه حتى أصبحت تلك الأخبار يقين لا يقبل شكاً ولا طعناً في صحتها , لذا وجب علينا تعريف جمهور المسلمين من هو معاوية بن أبي سفيان ؟
قبل أن نسرد حياة هذا الصحابي يجب أن نعلم أن الناس في نظرتهم لمعاوية ثلاث فرق هم :
أ- الفريق الأول : الشيعة الذين هم أتباع علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذين كانوا في بادئ الأمر أتباع له معتقدين بأفضليته على معاوية وغيره بعد عثمان وحاربوا معه ضد مخالفيه ثم ما لبثوا أن خرجوا من هذا الطور لآخر بتفضيل علي على سائر الصحابة حتى أبي بكر وعمر وظهرت تلك المقالة حال حياة علي بن أبي طالب فخطب فيهم علي قائلاً :’من قال إنني أفضل من أبي بكر وعمر سأجلده حد المفتري’ ثم ما لبث بهم الأمر حتى غالوا فيه ووصلوا لستة عشر فرقة منها ما أجمع أهل علي كفرهم وهؤلاء الشيعة بالغوا في عداوتهم لمعاوية حتى لعنوه وكفروه واختلقوا عليه الأخبار الكاذبة ودسوها في كتب التاريخ وللأسف تناقلها المؤرخون دون التمييز بين سقيمها وصحيحها .
ب- الفريق الثاني : هم قوم واجهوا شطط الشيعة وغلوهم بغلو مقابل وهم الناصبة الذين ناصبوا علي بن أبي طالب حتى فسقوه وكفروه واستباحوا دماء ذريته واختلقوا هم أيضاً أخباراً كاذبة في فضل معاوية ويزيد ولده وهؤلاء لم يكن غلوهم حباً في معاوية بقدر ما هو بغض لعلي وشيعته .
ج- الفريق الثالث : هم أهل السنة والجماعة ‘السلف الصالح’ من علماء الأمة الذين هم وسط بين غلو هؤلاء وهؤلاء الذين وضعوا الأمور في نصابها الصحيح ومعاوية عندهم أحد الصحابة وله شرف الصحبة ويترحمون عليه ويقولون عنه في الخلاف مع علي أنه قد اجتهد فأخطأ وخطؤه مغفور له لما كان له من سابق صحبة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن علياً أفضل منه وأحق منه بالأمر ولكن هذا لا يقدح في معاوية وفضائله , سئل عبد الله بن المبارك عن معاوية هو أفضل أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال ابن المبارك ‘لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز’ .
هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي أبو عبد الرحمن كاتب وحي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ , المشهور عنه أنه قد أسلم عام الفتح وقيل أنه أسلم يوم عمرة القضاء أي في ذي القعدة سنة 7هـ ولكنه كتم إسلامه حتى الفتح وجعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـأحد كتاب الوحي وشهد مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غزوة حنين وتبوك وفي حروب الردة كان له دور بارز خاصة في اليمامة حتى قيل أنه اشترك مع وحشي في قتل مسيلمة الكاذب ولقد روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحاديث كثيرة وكان معدوداً من فقهاء الصحابة له اجتهادات معروفة في الفقه وفي عهد أبي بكرـ رضى الله عنه ـ اشترك معاوية في حروب الشام وقام بفتح بعض بلادها ‘قيسارية سنة 15هـ’ وفي عهد عمرـ رضي الله عنه ـ ولاه الخليفة عمر ولاية دمشق واستعمله طوال خلافته وجمع عثمان ـ رضي الله عنه ـ له الشام كلها طوال خلافته وخلال فترة إقامته بدمشق والشام ساس الناس سياسة عظيمة وملك قلوبهم واستمالهم لجانبه لذلك لم يختلف عليه اثنان لما خالف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهي النقطة الفاصلة في حياة معاوية والتي جلبت له كل اللعنات والتشويه المتعمد .
كانت وجهة نظر معاوية في خلافه مع علي بن أبي طالب أن عثمان رضي الله عنه قد مات مقتولاً مظلوماً وهو ابن عمه وولي دمه المطالب به وعلي مطالب بتسليم قتلة عثمان لمعاوية ليقتص منهم وعلي يرفض حتى يبايع معاوية ومعاوية يرفض البيعة حتى يتسلم قتلة عثمان , ومعاوية كان معترفاً ومقراً بفضل علي وغيره من الصحابة أمثال طلحة بن الزبير وسعد وغيرهم عنه ولكنه رأى نفسه أجدر وأنفع ولاية لجمهور المسلمين ومنازعته لعلي لم تنقص من قدر علي عنده وعندما جاءه خبر مقتل علي بكى بشدة فقالت له امرأته ‘أتبكيه وقد قاتلته’ فقال ‘ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم’ لذا فقد كان معاوية يقول عن نفسه ‘أنا أول الملوك وآخر خليفة’ والسنة أن يقال لمعاوية ملك ولا يقال له خليفة للحديث الصحيح ‘الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً’ وجمهور العلماء يوافقون على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل وتصح بيعته ولا يكون وجود الأفضل مانعاً من إمامـة المفضول ذلك إذا لم يكن مقصراً عن شروط الإمامة .
أما عن أهم أعماله فلقد كان معاوية هو صاحب مشروع إنشاء الأسطول البحري الإسلامي لأول مرة في عهد عثمان بن عفان ففتح قبرص سنة 28هـ ولما تولى الأمر بلغت قوة الأسطول البحري الإسلامي ألف وسبعمائة سفينة مجهزة كاملة العتاد , ومن أهم أعماله أيضاً غزو الروم مرتين في كل سنة مرة في الصيف ومرة في الشتاء وكانت وصيته لابنه يزيد من بعده أن يشد خناق الروم ويحسب لمعاوية أنه أول من حاول فتح القسطنطينية وذلك سنة 48هـ وأعاد المحاولة سنة 53هـ .
أما عن خصال معاوية فلقد كان يغلب عليه الحلم والأناة والرفق بالناس واتبع معهم سياسة الشعرة الشهيرة حتى أحبه الناس وكان المجتمع هادئاً في أيامه فلم يعلم وجود ثورات أو اضطرابات في عهده كما حدث لمن بعده لذلك قال ابن تيمية ‘لم يكن من ملوك الإسلام ملكاً خيراً من معاوية وكانت سيرته مع رعيته من خيار سيرة الولاة وقد كانت رعيته يحبونه وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال ‘خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم …’ وقال ابن خلدون ‘إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدولة الخلفاء الراشدين وأخبارهم فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة’ .
ولما حضر معاوية الموت أخرج ثوباً من أثواب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقراضة من شعره وأظافره قد دخرهم لذلك اليوم ووصى أن يكفن في هذا الثوب وأن تودع القراضة في أنفه وفمه وعينه وأذنه وأوصى أن يرد نصف ماله إلى بيت المال ليطيب بها ماله كما فعل عمر بن الخطاب مع عماله , ولما احتضر بكى ووضع خده على التراب وقلبه من خد لآخر وهو يقول ‘اللهم إنك قلت في كتابك ‘إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء’ الله اجعلني فيمن تشاء أن تغفرله , اللهم أقل العثرة , اعف عن الزلة وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك فإنك واسع المغفرة ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك ‘ ثم توفى رحمه الله .
أما مسألة استخلاف معاوية ليزيد ولده فإن وجهة نظر معاوية في الأمر أن الأمة قد افترقت من قبل ثم اتحدت في عام الجماعة واختيار خليفة من خارج البيت الأموي سوف يعيد الأمور للاضطراب مرة أخرى , قال الشيخ الخضري ‘إن هذه الطريقة كانت لازمة في هذه المرحلة لصلاح أمر المسلمين ولم شعثهم فإن الطامعين في الخلافة كثيرون وكلهم جديرون بها بالإضافة إلى اتساع المملكة الإسلامية فإن الاختلاف لابد واقع ونحن نشاهد أنه مع تفوق بني عبد مناف على سائر قريش واعتراف الناس لهم بذلك وهم جزء صغير من قريش فإنهم إذا تنافسوا الأمر أهلكوا الأمة بينهم ..’ وقال ابن خلدون ‘والذي دعا معاوية ـرضي الله عنه ـ لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما مراعاة المصلحة في اجتماع واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع , وحضور أكابر الصحابة وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة’ .
ولقد بايع يزيداً أغلب الأمصار عدا بعض أهل المدينة , والمصلحة الشرعية الراجحة من بيعة يزيد بن معاوية تظهر فيما قاله عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهماـ ‘تقولون أن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمدـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أفقهها فيها فقهاً ولا أعظمها فيها شرفاً وأنا أقول ذلك ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد ـصلى الله عليه وسلم ـ أحب إلىمن أن تفترق ‘