الزمان/ 25 جمادى الآخرة – 207هـ
المكان/ خراسان – بلاد ما وراء النهر
الموضوع / وفاة القائد الحربي الكبير طاهر بن الحسين .
الأحداث /
هناك في تاريخ الإسلام أحداث عظام كبار مثلت منعطفاً هاماً في حياة هذه الأمة وكانت نقطة تحول في سير الأحداث , هذه الأحداث اشترك في صنعها رجال منهم من ذاعت شهرته ومنهم ما لم يكن له كبير ذكر في كتب التاريخ ولعل الأقل شهرة يكون الأكبر أثراً في صنع هذا الحدث , والعجيب أن هذه الشخصيات التي فعلت الكثير من أجل بناء مجد غيرها وتشييد ملك ليس لها كانت نهايتها على يد هؤلاء الذين ضحوا بالكثير من أجلهم .
هو القائد الكبير طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن ماهان , كان جده رزيق مولى طلحة بن عبد الله بطلحة الطلحات الخزاعي والي سجستان ,ولد طاهر سنة 159هـ بقرية ‘بوشنح’ من أعمال ‘مرو’ عاصمة خراسان فهو من موالي قبيلة خزاعة المعروفة بولائها التاريخي للعباسيين , ونشأ طاهر بخراسان وكان في شرطها عندما كان المأمون والياً عليها بأمر الرشيد الذي اشترط على الأمين ولي عهده أن تكون خراسان خالصة للمأمون [1] وكان المأمون أسن من الأمين ويرى نفسه أجدر بالخلافة من أخيه لذا فلقد عمل المأمون على ترسيخ أقدامه في خراسان واستعان على ذلك بشخصيات قوية أمثال ‘الفضل بن سهل’ وكان داهية ذا فطنة وفراسة عظيمة فاكتشف مهارة طاهر بن الحسين وتفرس فيه النباهة وعلو الهمة [2] فلما قام المأمون بدعوة الناس لبيعته وخلع الأمين عين طاهراً قائداً على جيوش خراسان بناءاً على نصحية الفضل بن سهل المسيطر الحقيقي على مقاليد الأمور والمحرك لها من خلف الستار .
كانت أول شهرة طاهر بن الحسين عندما استطاع بفضل مهارته الحربية أن ينتصر على الجيوش الضخمة التي أرسلها الأمين لتأديب المأمون رغم أن جيش طاهر كان أربعة آلاف فقط في حين أن جيوش الأمين كانت عشرات الآلاف فكانت هذه الهزيمة أول الوهن الذي دخل على الأمين , وكان طاهر بن الحسين ذا همة عالية وعزيمة لا تلين وصبر يثقل على الجبال وواجه مواقف عصيبة خرج منها بذكائه وحزمه؛ منها أن الأمين قد استطاع أن يستميل قادة جيشه بالمال حتى انحاز معظمهم للأمين ولكن هذا لم يفت في عضد طاهر ودخل الحرب معه وانتصر بجنوده القليلة ثم استمال هؤلاء القادة بالرغبة والرهبة حتى عادوا إليه فرد على الأمين بنفس كيده , واستطاع طاهر أن يستولي للمأمون على كثير من المدن والبلاد التابعة للأمين فاستولى على الأهواز وواسط والري والمدائن واقترب من العراق وضرب عليها الحصار الشديد وأصر الأمين على مواصلة القتال حتى أخذ الأمين فقتلوها وذلك سنة 198هـ وأخذ طاهر بن الحسين القضيب والبردة وخاتم الخلافة وأرسل بهم للمأمون وهكذا قام هذا القائد الكبير بإهداء الخلافة غنيمة هنيئة للمأمون وهو جالس في إيوان قصره بخراسان هادئاً مطمئناً .
عرف المأمون لطاهر مكانته فأجزل له العطاء والإقطاعات وولى ابنه الأكبر عبد الله بن طاهر شرطة بغداد وذاعت شهرته جداً في الآفاق حتى أدى ذلك لأن يحقد عليه ويحسده أستاذه السابق الفضل بن سهل المسيطر على المأمون والذي لا يحب أن يشاركه أحد في هذه المكانة وكان الفضل شخصية ليست سوية فعمل على التخلص من طاهر بن الحسين عن طريق إقناع المأمون بتكليف طاهر أن يقضي على فتنة وثورة نصر بن شبث في الجزيرة وأطاع طاهر أمر المأمون كما هي عادته وعندما مات الفضل بن سهل أمر المأمون طاهراً أن يلتقي معه ببغداد فأكرمه وولاه بلاد الجزيرة والسواد وجانبي بغداد واعترف المأمون بفضل طاهر فقال عنه ‘ما حابى طاهر في جميع ما كان فيه أحداً ولا مال لأحد ولا داهن ولا وهن ولا وني ولا قصر في شيء وفعل في جميع ما ركن إليه ووثق به فيه أكثر مما ظن به وأمله وأنه لا يعرف أحداً من نصحاء الخلفاء وكفاتهم فيمن سلف عصره ومن بقي في أيام دولته على مثل طريقته ومناصحته وغنائه وإجزائه’ وحلف المأمون على ذلك عدة مرات مؤكداً ما يقول .
جرى في سنة 205هـ أمر ووقعت حادثة كانت لها أعظم الأثر في حياة طاهر بن الحسين , حيث دخل طاهر ذات يوم على المأمون فلما رآه المأمون بكى فحاول طاهر أن يعرف سبب بكائه فلم يخبره المأمون فاحتال طاهر على أحد خدام المأمون حتى عرف أن سبب بكائه هو تذكر المأمون ما جرى لأخيه الأمين من قتل وهوان على يد طاهر بن الحسين , فخاف طاهر من غائلة ذلك وقابل وزير المأمون وطلب منه إقناع المأمون بتولية طاهر على خراسان التي كان بها اضطرابات في هذا الوقت , وكان المأمون متوجساً من طاهر أن يذهب لخراسان لأنها بلده ومولده بها فخاف أن يستقل بخراسان فولاه عليها وجعل عليه عيناً تنقل أخبار طاهر يوماً بيوم , وتولى طاهر خراسان فضبطها بقوته وحزمه وبصفحه عن المخطئ وكرمه الشهير فقد كان كثير الصدقة في منتهى الكرم واستمر طاهر في عمله حتى سنة 207هـ وفي يوم الجمعة 24 جمادى الآخرة خطب الجمعة ولم يدع في خطبته للمأمون كما هي العادة وقطع الخطبة بمثابة إعلان العصيان والخلاف فقامت العين بنقل ذلك الخبر للمأمون وفي نفس اليوم أصبح طاهر ميتاً في فراشه ولما وصل الخبر للمأمون قبل يديه ظهراً لوجه ثم قال ‘الحمد لله الذي خدمه وأضرنا’ واختلف الناس في سبب وفاته فقال البعض أن المأمون قد سمه عن طريق أحد خدامه خوفاً من خروج طاهر عليه واعتذر هؤلاء للمأمون أن الخروج على الخليفة يبيح دم الخارج وقال البعض الآخر أنه مات بالحمى والله أعلم بالحقيقة .
الجدير بالذكر أن طاهر بن الحسين قد اشتهر بوصيته المعروفة لابنه عبد الله بن طاهر عندما تولى الشام هذه الوصية جمع فيها طاهر كل ما يحتاجه إليه الأمراء والرؤساء والقادة من الآداب والسياسة ومكارم الأخلاق والديانة وطاعة الله عز وجل والقيام بالسنة وإكرام العلماء والعلم وهو كتاب طويل ذكره المؤرخون بطوله في كتب التاريخ لأهميته ولما اطلع المأمون على هذه الوصية قال ‘ما أبقى أبو الطيب يعنى طاهراً شيئاً من أمر الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكم وأوصى به’ ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليعملوا بهذا الكتاب فصارت الشهرة لطاهر بهذا الكتاب ولربما كان في ميزان حسناته .