الزمان/ الأربعاء 10 شعبان – 610هـ
المكان/ مراكش – المغرب
الموضوع/ وفاة الناصر لدين الله أمير المغرب والأندلس آخر الأمراء الأقوياء في الأندلس .
الأحداث/
مفكرة الإسلام : يخطئ من يظن أن النجاح يأتي نتيجة مجهود شخص واحد مهما بلغت مجهوداته ويخطئ من يظن أن النصر يأتي عند لحظة معينة أو عند نقطة فاصلة ذلك لأن الأهداف العظيمة تحتاج إلى مجهودات على قدر عظمتها وجسامتها , والفكرة والغاية العظيمة لابد لها من توافر عدة أشخاص كلهم على قدر المسئولية ولديه القناعة والكفاءة لتحقيق هذه الغاية والوصول إليها كل واحد منهم يعمل حتى يوصل الراية لمن بعده ومن بعده يعمل حتى يوصلها لمن بعده وهكذا حتى تصبح الأمة مهيأة لتحقيق الغاية جديرة بإنزال النصر عندها يكون الحصاد , كما حدث عند فتح بيت المقدس تعاقب عدة رجال من أجل تحقيق هذه الغاية كلهم على مستوى الهدف والغاية أولهم الأمير مودود الذي كان أول من جاهد الصليبيين ثم عماد الدين زنكي من بعده ثم نور الدين محمود ثم صلاح الدين الأيوبي الذي جاء على يديه بعد قرابة التسعين سنة من العمل الجاد , وصفحتنا هذه صورة من هذا النوع ولكن مع الفارق أن سند تحقيق الغاية انقطع وأصبحت الغاية معضلة التحقيق ذلك لأن أحد رجال السند لم يكن على نفس درجة باقي الرجال , فانقطع السند وضعفت الغاية وانهارت كل المجهودات إيذاناً بانهيارات أخرى تتبعه حصادها أمر وأسوأ .
عندما استطاع المسلمون الانتصار على صليبي الأندلس في الزلاقة سنة 479هـ بدأت الأندلس تستعيد عافيتها وصبغتها الإسلامية وأفل نجم الصليب قليلاً وقوي شأن المسلمين وبدءوا يشنوا غارات لاستعادة ما أخذه الصليبيون من قبل واستمرت قبضة المسلمين بقيادة المرابطين حاكمة على معظم الأندلس ثم تلى ذلك الموحدون الذين أزالوا دولة المرابطين لما ضعفت ودخلها الترف وقام أول أمراء الموحدين عبد المؤمن بن علي بطرد الصليبيين من مدينة المهدية والعبور للأندلس والانتصار على الصليبيين في مواقع هائلة ثم خلفه بعده ابنه يوسف بن عبد المؤمن فواجه ثورات داخلية عديدة خاصة في منطقة جبال غمارة ولكن هذا لم يمنع المسلمون من مواصلة جهاد الصليبيين في الأندلس وضم أراضي جديدة لأملاكهم مما دفع ملوك الصليبيين في الأندلس يسارعون في عقد معاهدات الصلح مع المسلمين مثل ملك ليون وملك ناقارا وغيرهم وفي عصر هذا الأمير نشأت حركة جهادية جديدة بين المسلمين بتشجيع من الأمير يوسف بن عبد المؤمن الذي كان يباشر القتال والغزو بنفسه حتى أنه ختم حياته بالاستشهاد في معركة شنترين الهائلة سنة 580هـ , ثم تولى من بعده ولده الأكبر الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقب بالمنصور ليمن رايته على الصليبيين في ميادين الجهاد ذلك رغم اندلاع الثورات الداخلية في المغرب والتي استنزفت الكثير من المجهودات والطاقات في قمعها , وفي عهد المنصور كانت معركة الأرك العظمى التي رفعت شأن الإسلام والمسلمين في الأندلس وخنس الصليبيون في أوكارهم وقنعوا بما في أيديهم وهم على وجل من غزو المسلمين لهم وكان المنصور من أعظم خلفاء المسلمين في المغرب والأندلس وبلغ الإسلام أيامه أوج قوته ولولا الثورات الداخلية في المغرب لانتهى شأن الصليبيين من الأندلس ولعادت مرة أخرى خالصة للمسلمين .
وصلت الراية آمنة سليمة لصاحبنا الذي نؤرخ له في صفحتنا هذه وهو محمد الناصر بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن والذي لم تكن خصاله ولا فعاله مثل أجداده وآبائه ولقد اشتعلت الثورات الداخلية في عصره بقوة خاصة من جانب رجل اسمه يحيى الميورقي الذي سيطر على مدينة المهدية ومعظم بلاد أفريقيا وصار شوكة في حلق الموحدين هذا بالإضافة لثورات بني غانية في الجزائر واضطر محمد الناصر لقضاء معظم خلافته في محاربة الثوار والمتمردين حتى استطاع القضاء على هذه الثورات والتي كانت السبب الرئيسي في تحرك أفاعي الصليبيين من جحورها بعد أن خنست أيام الخليفة المنصور ومعركة الأرك العظمى , فبدأ الفونسو الثامن الذي سبقت هزيمته في الأرك بالتحرك وأغار على بعض القلاع والحصون الإسلامية ولجأ الفونسو الثامن لتدويل حربه ضد المسلمين فعقد تحالف بين مملكة قشتاله ومملكة ليون بالمصاهرة ولكن تدبيرهم انلقب تدميرهم ووقع بينهما خلافات وحروب كثيرة , فغير الفونسو خطته واتجه بنظره إلى البابا ‘إنوصان الثالث’ وكان حرب صليبية على الإسلام فوافق البابا وأرسل له إمدادات كثيرة من فرنسا وإيطاليا .
قرر الأمير الناصر العبور للأندلس ومحاربة الفونسو الثامن وتحالفه الصليبي رغم معارضة كبار أمرائه ووزرائه لهذا العبور لاضطراب الأمور الداخلية ولكن الناصر رفض النصيحة وأصر على العبور حباً منه للجهاد فخرج سنة 607هـ بجيش هائل جرار اهتزت جميع بلاد الصليبيين لخروجه وخافوا جداً حتى أن بعض ملوكهم سارع وعقد صلحاً مع الناصر خوفاً منه ,وواصل الناصر سيره بجيشه الجرار حتى استولى على قلعة ‘شلبطرة’ الحصينة فأسرع الفونسو واستولى على قلعة رباح وكان سقوط قلعة شلبطرة الصليبية في يد المسلمين جرس خطر للصليبيين كلهم فانهالوا من كل مكان في الأندلس وأوروبا لنصرة الفونسو وكان مطران طليطلة ‘ردريك’ وعدة من أكابر الأحبار يجوبون أوروبا لاستنفار المتطوعين وكان طليطلة نقطة تجمع المتطوعين من الصليبيين وأمر البابا ‘إنوصان الثالث’ في روما بالصوم ثلاثة أيام التماساً لانتصار الصليب في أسبانيا وأقيمت الصلوات العامة وتأكدت الروح الصليبية الحاقدة لهذه المواجهة , وعلى الآخر قام الناصر بجهود مضادة فأعلن النفير العام بين المسلمين فجاءه المتطوعون من كل مكان وتضخمت جيوشه جداً حتى قيل أن تعدادها بلغ نصف مليون مقاتل وهذه الضخامة كانت سبب الهزيمة كما سنعرف .
إن الكثرة في أحيان كثيرة تكون وبالاً على الجيوش وذلك لصعوبة تمويلها وثقل حركتها وعدم سهولة تنظيمها ولكثرة مشاكلها الداخلية وفوق كل ذلك كله الغرور الذي يدخل قادة الجيوش وحتى جنده العاديين بسبب ضخامة الجيوش حتى أنهم على ثقة تامة بحتمية النصر لا بفضل الله ولكن بقوتهم وعددهم كما يظنون وهذا السب بالذات هو الفيصل في هزيمة الجيوش , وعلى الطرف الآخر فإن المشاورة في القرارات المصيرية من أهم أسباب وعوامل النجاح والانتصار , وللأسف الشديد في معركة العقاب سنة 609هـ الفاصلة اجتمع السبب الأول وغاب السبب الثاني فاغتر الناصر بقواته ولم يقبل مشاورة أحد وسار مزهوا بجيوشه الجرارة واثقاً من النصر لا محالة وهذا يتضح من مشاهد الليلة السابقة للمعركة حيث قضى الصليبيون ليلتهم في تلقى البركة والغفران البابوي على يد الأساقفة ورجال الدين والصلاة والدعاء في حين لم يفعل المسلمون شيئاً في هذه الليلة ولم يكن بها مناظر مؤثرة كالتي حدثت ليلة معركة الأرك العظمى وذلك لأن الجيش سواء على مستوى القيادة أو على مستوى الجنود العاديين كانت تنتابهم حالة من الغرور والثقة الزائدة بالنفس والنصر فما كان لهم حاجة بظنهم للدعاء والصلاة طوال الليل؟ فماذا كانت النتيجة ؟ نكبة مروعة حلت بالمسلمين في معركة العقاب سنة 609هـ حتى كاد الأمير الناصر نفسه أن يقتل في المعركة وخسر المسلمون عشرات آلاف من القتلى ذلك لأن الفونسو الصليبي نادى أن لا أسر غلا القتل ومن أتى بأسير قتل هو وأسره فكثر القتل في المسلمين حتى قيل أن قتلاهم بلغت مائتي ألف ,و قرر الصليبيون اتخذا يوم النصر عيداً قومياً يحتفل به في الأندلس ‘وفي أسبانيا حتى الآن’ ويسمى عيد ‘ظفر الصليب’ .
بعد الهزيمة المدوية عاد الناصر إلى عاصمة ملكه مراكش وأصابه الغم والحزن من آثار نكبته في العقاب فأصيب بارتفاع في ضغط الدم أنتجت ورماً في دماغه أدى به إلى سكتة دماغية مات على أثرها في 10شعبان 609هـ ,وعلى الرغم من هزيمته في العقاب إلى أنه كان من الأمراء الأقوياء والوحيد الذي استطاع القضاء على الثورات الداخلية في المغرب وإعادة مدينة ميورقة للمسلمين واستطاع الناصر لدين الله تنظيم شئون البلاد ومطاردة المفسدين وإقصاء العمال الظلمة المرتشين وكان يميل لمشورة المشايخ والكبار في دولته وفقاً لوصية أبيه المنصور ولكن في آخر حياته أعرض عن ذلك فكان من أسباب نكبته يقول عنه أحد جلساءه ‘كان الناصر كثير الإطراق شديد الصمت بعيد الغور بكير الهمة غليظ الحجاب لا تكاد تصله الأمور إلا بعد الجهد , مستبداً في أموره وتدبير مملكته بنفسه’ وبموته خلت الأندلس من أمراء أقوياء يقفوا أمام الأطماع الصليبية المتنامية في الأندلس والتي زاد سعارها بعد موقعة العقاب ووفاة الأمير الناصر لدين الله آخر الأقوياء في الأندلس .