صفحات منسية

وفاة الملك الكامل – غلطة العمر

الزمان/ 22 رجب – 635 هـ

المكان/ دمشق – الشام

الموضوع/ وفاة الملك الكامل بن العادل الأيوبي .

الأحداث/

إن عين التاريخ فاحصة تكتب وتسجل كل ما تراه وكما تكتب الحسنات والمآثر والبطولات تكتب أيضاً السيئات والزلات والغلطات ويكون تقييم الرجل أو الحدث بالموازنة بين ما له وما عليه  والمصالح والمفاسد وهذا هو الصواب لاشك في ذلك ولكن هناك بعض الزلات والغلطات ترجح وتفوق كل المآثر والأعمال الصالحة وهذه الغلطات عادة تكون مصيرية في حق أمة الإسلام لذلك فإن التاريخ ينسى كل الحسنات ويتذكر هذه الزلة والغلطة ويعرف في التاريخ بها تماماً مثلما حدث مع الخليفة المأمون صاحب الأعمال المجيدة والغلطة الشنيعة والسنة السيئة في القول بخلق القرآن فنسي التاريخ كل أعماله وحفظ له غلطته وبدعته حتى اشتهر في التاريخ بذلك , وصاحبنا في هذه الصفحة من هذا النوع الذي قضى عمره كله في مآثر وصالحات وصناعات لم طمس كل ذلك في بئر غلطته الشنيعة .

هو الملك الكبير سليل أسرة الأسود الأيوبية الكامل محمد بن الملك العادل بن نجم الدين أيوب بن شادي ولد ونشأ في كنف الأسرة الأيوبية فتربى على البطولة والشجاعة والفروسية وكان أكبر أولاد أبيه الملك العادل بعد أخيه مودود ولجميل صفاته وخصاله فإن أباه العادل جعل له ولاية الديار المصرية من بعده , وكان الملك العادل رحمه الله هو رأس الملوك والأمراء بعد وفاة الناصر صلاح الدين , قام العادل رحمه الله بحمل الراية بعد أخيه الناصر فوطد البلاد وقضى على الخلافات وتصدى للحملات الصليبية التي توالت على بلاد المسلمين بعد وفاة صلاح الدين وظل هذا دأبه حتى مات رحمه الله سنة 615هـ أثناء حصار الصليبيين لدمياط في الحملة الصليبية الخامسة فقضى حياته حتى مماته في جهاد الكافرين وخلف وراءه أربعة ملوك من ملوك الإسلام بينهم ائتلاف ومودة ووحدة لأن العادل رباهم على الاتحاد والاتفاق حتى لا يتفرق الصف المسلم أمام عدوهم المتربص وهذه الفعلة من أفعال العادل المجيدة , وكان رأس أبناءه المقدم عليهم الملك الكامل محمد .

استهل الكامل حكمه بالقضاء على محاولة لخلعه وتولية أخيه الفائز مكانه وما يستتبع ذلك من تمزيق الصف المسلم أمام عدوهم الصليبي المتربص بدمياط فأسرع في القضاء على المؤامرة ثم عاد وقام كالأسد الرابض أمام الصليبيين طيلة أربعة سنوات متصلة في لباس الجهاد حتى ستطاع تحرير دمياط وطرد الصليبيين سنة 618هـ , وبعد ذلك بدأ في تنظيم الأمور داخل الديار المصرية واطمأن على الوضع على الجبهة الشامية التي كانت تحت إمرة اخوته المعظم والأشرف وكان محباً للتوسع العمراني فأنشأ السدود وأصلح الطرق ووسع الرقعة الزراعية واهتم بالنواحي العلمية في عهده مثل آبائه فأنشأ المدارس الشرعية وكان يجتمع مع أهل العلم كل ليلة جمعة يتباحث في الأمور العلمية ومعه إجازة من بعض أهل العلم وكان له أسئلة عويصة لأهل العلم وكان جيد الفهم وله كلام مفيد على صحيح مسلم وكان ذكياً مهيباً ذا بأس شديد يحب العدل والإنصاف ولكن عدله فيه قسوة وعسف يكون أحياناً شديداً حتى أنه شنق مجموعة من الجنود لأنهم سرقوا شعيراً من الفلاحين بأرض أمه , وكانت الطرقات في زمانه آمنة والرعايا متناصفة لا يتجاسر أحد أن يظلم أحداً وممن يروى في ذلك أن بعض الركبدارية ‘سايس الفرس’ اشتكى للكامل أن الجندي صاحب الفرس الذي يخدمه لم يعطه أجراً منذ ستة شهور وجحدها فأحضر الكامل هذا الجندي وألبسه ملابس الركبدارية وألبس الركبداري ثياب الجندي وأمر الجندي أن يخدم الراكبداري لمدة ستة شهور على هذه الهيئة فارتدع الناس عند ذلك وتأدبوا غاية الأدب و وله يوم دمياط اليد البيضاء في كسر الصليبيين وقصته مع الكلب الصليبي الذي كان يسب الرسول صلى الله عليه وسلم مشهورة رويناها في صفحة تحرير دمياط في 19رجب 618هـ .

كانت شخصية الكامل مهيبة قوية فيه خصال من الخير كثيرة ولكن كان في شخصيته نوع من التساهل والتفريط في أرض المسلمين وكان يكره أن يفقد شيئاً من أرض مصر , وابتداء من سنة 625هـ قام الصليبيون بحملتهم السادسة على بلاد المسلمين بقيادة فريدريك الثاني ملك ألمانيا وحده لتخلف باقي الملوك الصليبيين عنه ذلك لأن البابا قد أصدر فرماناً بحرمان وطرده من الكنيسة والرحمة !! لتقصيره في قتال المسلمين , وصادف قدوم الصليبيين حدوث افتراق واختلاف بين ملوك بني أيوب وهذا الاختلاف قوى نفوس الصليبيين لعنهم الله عز وجل وجعل الصليبيون يفدون على سواحل الشام بالآلاف ثم توترت الأمور أكثر وتعقدت بظهور قوة جديدة في المنطقة أدت للمزيد من الفرقة وهي قوة الخوارزمية الذين تمزقوا على أيدي التتار وتفوقوا في البلاد يعيشون على السلب والنهب وأصبح موقف الكامل أشد سوءاً بعد وفاة أخيه المعظم ملك دمشق وما حولها وكان الكامل أصلاً عنده تساهل وسماحة غير عادية فعقد معاهدة مع فريدريك الثاني ملك ألمانيا يتم بموجبها تسليم الصليبيين بيت المقدس فقط على أن يقوم فريدريك برد عدوان أي صليبي على المسلمين ويكون من أتباع الملك الكامل وأن يكفل الحرية الدينية للمسلمين وألا يؤذي أحداً منهم , وعظمت هذه المعاهدة على المسلمين جداً وعد ذلك من أشنع غلطات الكامل وتعجب المسلمون من فعلته وكيف فرط في المقدسات التي قضى في استرجاعها عمه الناصر طوال عمره ودفع ثمن ذلك من دماء المسلمين الغالي واشتد نكير الناس عليه بفعلته هذه رغم أن فريدريك التزمن ببنود المعاهدة ولم يخل بها حتى أنه رأى يوماً قسيساً يريد أن يدخل المسجد الأقصى فنهره بشدة وسبه والعجيب أن البابا أوتوسنت الثالث رفض هذه المعاهـدة وقال ‘إنا ذهبنا في الحملات الصليبية لقتال المسلمين وليس للتفاوض معهم’ .

بعد هذه الغلطة الشنيعة التي ارتكبها الملك الكامل في حق مقدسات أمته التي لا يملكها وحده حتى يتصرف فيها بل حق الأمة كلها لا يملك أحد المقامرة بها والتفاوض عليها كما يفعل الآن من رمتهم الأقدار ونكبت بهم هذه الأمة وأصبحوا في غفلة من الزمان والمسلمين رؤساء وحكاماً على المسلمين , بعد ذلك اشتغل الكامل بتثبيت دعائم ملكه بعد أن أمن جانب الصليبيين ودخل في نزاعات مع باقي أمراء الأيوبيين وكان أكبر همه أن يدخل دمشق في أملاكه وبالفعل تم له ذلك في سنة 635هـ ولم يدم ملكه عليها سوى شهرين فقط ثم أخذته أمراض مختلفة من ذلك سعال وإسهال ونقرس في رجليه ثم جاءه أجله المحتوم في 22 رجب سنة 635 واتفق موته في بيت صغير من دار القصبة وهو نفس البيت الذي توفى فيه عمه الناصر صلاح الدين ولكن شتان بين فعال هذا وفعال هذا ولم يكن عنده عند موته أحد من الناس لشدة هيبته بل دخلوا عليه فوجدوه ميتاً .

فكانت هكذا نهايته وهكذا كان تاريخه رغم أعماله الصالحة الكثيرة وجهاده ضد الصليبيين كثيراً وكسرهم عدة مرات على يديه إلا أنه أحبط ذلك كله بغلطة العمر التي ارتكبها .

الجدير بالذكر أن ولده الصالح أيوب استطاع أن يصحح غلطة أبيه واستعاد القدس من الصليبيين سنة 642هـ

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً