صفحات منسية

وفاة السلطان مصطفى الثالث

الزمان/ 8 ذي القعدة – 1187هـ

المكان/ القسطنطينية عاصمة الخلافة العثمانية.

الموضوع / وفاة السلطان مصطفى الثالث .

الأحداث/

مفكرة الإسلام : السلطان الغازي مصطفى خان الثالث ابن السلطان أحمد الثالث المولود سنة 1129هـ كان ميالا للإصلاح محبا لتقديم بلاده خصوصا، كان وزيره الأول راغب باشا الذي أخذ في إصلاح بعض الشؤون بمساعدة السلطان وتعضيده له فعهد بإدارة الأوقاف العمومية إلى أحد أغوات السراري ‘قيزار أغاسي’ وأسس مستشفيات للحجر على الواردات الخارجية إذا كانت الأوبئة منتشرة في الخارج لعدم تعديها إلى الممالك المحروسة وأنشأ مكتبة عمومية على مصاريفه الخاصة وفكر في طريقة غريبة لتسهيل المواصلات داخل المملكة منعا لحصول الغلاء والمجاعات في الولايات وذلك بأن يصل بين نهر الدجلة وبوغاز الأستانة بخليج عظيم تستعمل فيه الأنهار الطبيعية كمجرى له على قدر الإمكان فيسهل نقل الغلال من أطراف المملكة إلى الأستانة فيمتنع عنها الغلاء كلية وهو مشروع جليل يقدره العارفون حق قدره ولو أمهلته منيته  لأتمه وسبق المسيو ‘دي لسبس’ إلى إيصال بحر الروم بخليج فارس فالمحيط الهندي .

وبعد موت وزير السلطان راغب باشا نشبت الحرب بين الدولة العلية والروسيا وذلك نتيجة للسياسة التي انتهجتها الإمبراطورة ‘كاترينة الثانية’ إمبراطورة الروسيا التي تولت عقب مقتل بطرس الثالث والتي سعت إلى تعيين عاشقها ‘ستانسلاس بونياتوسكي’ ملكا على بولونيا بعد وفاة ملكها ‘أوغست الثالث’ خلافا لما تعهدت به للدولة العلية وما ذاك إلا إنفاذا لسياسة بطرس الأكبر _ وهذه هي السياسة القائمة على العمل المؤسسي الذي يعتمد على خطة محكمة الوضع تسعى كل حكومة أو كل وزارة إلى تنفيذ جزء منها لتكتمل الحلقات ولا تتضارب القرارات على الرغم من اختلاف الصور والأشكال والصياغات بل قد تعزل إحدى الحكومات لتهدئة الأوضاع أو لإعادة صياغة طريقة الوصول للأهداف _ القاضية بإزالة الحواجز الثلاثة الحائلة بين الروسيا وبين أوروبا الغربية وهي السويد وبولونيا والدولة العلية وقد أزيل الحاجز الأول باستيلاء الروسيا على جميع الولايات السويديـة الفاصلة بينها وبين ألمانيا وأزيل الحاجز الثاني تقريبا بتعيين أحد أتباع الإمبراطورة كاترينة ملكا على بولونيا ولذلك تنبهت الدولة إلى نتيجة هذه السياسة وعلمت أنها إن لم تضع حدا لتقدم نفوذ الروسيا في بولونيا فلا تلبث هذه المملكة أن تمحى من العالم السياسي بانضمامها للروسيا أو بتجزئتها بينها وبين مجاوريها لكن كان تنبهها هذا بعد فوات الوقت المناسب _ وهذا كان نتيجة للضعف الذي بدأ يدب في أوصال الدولة العلية وعدم تنبهها للأحداث المحيطة بها وتحليلها تحليلا دقيقا _ فإنه كان يجب عليها مساعدة السويد وبذل النفس والنفيس في حفظ ولاياتها الواقعة على البلطيق من الوقوع في أيدي الروسيا أولى من تركها غنيمة سائغة لها مما يطمعها في الاستمرار في تنفيذ وصية بطرس الأكبر .

ومع كل هذا فقد أراد السلطان مصطفى خان الثالث استدراك ما فات وأوعز إلى ‘كريم كراي’ خان ‘القرم’ أن يفتح بابا للحرب فبدأ من فوره في تنفيذ الأمر ولكي يجعل الحق من جهة الدولة احتال على بعض القوزاق التابعين للروسيا حتى أوقعهم في حبالة نصبها لهم وأدت بهم إلى التعدي على حدود الدولة العلية والإغارة على إحدى المدن التابعة لها وقتل بعض سكانها فأشهرت الدولة الحرب على الروسيا وافتتحها ‘كريم كراي’ بأن أغار بخيله ورجله على إقليم ‘سربيا الجديدة’ الذي عمرته الروسيا لمنع وصول المساعدة من خان القرم إلى بولونيا عند مسيس الحاجة وكانت نتيجة إغارة ‘كريم كراي’ على هذه الولاية خراب كثير من المستعمرات الروسية وعودته بكثير من الأسرى وتوفي قبل أن تنتهي الحرب .

ثم سار الوزير ‘نشانجي محمد أمين باشا’ الذي تولى الصدارة في جمادى الآخرة سنة 1182هـ بجيوشه للدفاع عن مدينة ‘شوكزيم’ التي حاصرها البرنس ‘جالتسين’ الروسي فلم ينجح في الدفاع عنها لعدم اتباعه الأوامر العسكرية الواردة إليه من السلطان مصطفى المهتم بنفسه بأمور الحرب ولو لم يقد الجيوش بذاته الشريفة وكان جزاء القائد المذكور أن قتل بأمر السلطان في 9 ربيع الآخر سنة 1183هـ وأرسل رأسه إلى الأستانة عبرة لغيره من القواد وعين مكانه في الوزارة والسر عسكرية ‘مولدواني علي باشا’ وكان أشد اهتماما من سلفه بأمور الجند وأكثر اطلاعا على ضروب القتال لكن عاكسته الطبيعة وكانت هي السبب في تقهقره فإنه حين كان يعبر مع جيوشه نهر ‘دينستر’ على جسر من المراكب ليهاجم الجيش الروسي المعسكر على الضفة الأخرى زادت مياه النهر بغتة وفاضت على شواطئه بكيفية مريعة حتى استولى الجزع على العساكر المارين فوقه وهموا بالرجوع إلى معسكرهم وتبعهم بعض من كان قد وصل إلى الشاطئ الآخر فغرقت المراكب واستشهد نحو ستة آلاف جندي وصار من بقي منهم على الشاطئ الروسي هدفا لمدافعهم وبنادقهم التي صوبت إليهم من كل فج حتى قتلوا عن آخرهم في 17 جمادى الأولى سنة 1183هـ وبعد هذا الانهزام الذي لم يكن فيه للروس من فخر التزم ‘مولودواني’ باشا بالتقهقر بعد إخلاء مدينة ‘شوكزيم’ فدخلها البرنس ‘جالتسين’ واحتلها على الفور .

وفي هذه الأثناء كانت رسل الروس تعمل على إثارة الخواطر في بلاد ‘موره’ حتى إذا استعد الأهالي للثورة خرجت بعض المراكب الروسية من بحر بلطيق قاصدة بلاد اليونان بعد الطواف حول أوروبا الغربية واستولت على مدينة ‘كورون’ لتشجيع الروم على العصيان لكن لم تلبث هذه الفتنة أن أطفئت وخرجت مراكب الروس من ميناء ‘كورون’ قاصدة جزيرة ‘ساقز’ فالتقت بالمراكب العثمانية في المضيق المار بين الجزيرة وساحل آسيا وبعد أن استمر القتال عدة ساعات انتصر العثمانيون ورجعوا بعد تمام النصر إلى ميناء ‘جشمه’ .

وبعد ذلك قصد الأميرال الروسي ‘الفنستون’ الهجوم على مدينة القسطنطينية لعدم وجود ما يمنعه من الاستحكامات من المرور في بوغاز ‘الدردنيل’ ولكن لم يوافقه القائد ‘أرلوف’ على ذلك ففضل احتلال جزيرة ‘لمنوس’ قبل ذلك لتكون قاعدة لأعمالهم الحربية فحاصرها وتمكن في أثناء ذلك البارون ‘دي توت’ المجري الذي دخل في خدمة الدولة العلية من تحصين مضيق الدردنيل وبناء القلاع فيه على ضفتيه وتسليحها بالمدافع الضخمة حتى صار المرور منه من رابع المستحيلات ثم حول عدة مراكب تجارية إلى سفن حربية بوضع المدافع فيها وزيادة على ذلك كلفه السلطان مصطفى الثالث بإنشاء مسبك لصب المدافع بالأستانة وبتدريب ‘الطوبجية’ على أنظمة القتال الجديدة فقام بالأمر خير قيام وأسس مدرسة لتخريج ضباط للطوبجية وأركان حرب على دراية بالفنون العسكرية الحديثة وأخرى لتدريب ضباط للبحرية كان مركزها بالترسانة تخرج منها في قليل من الزمن عدة قباطين قادرين على أخذ الارتفاعات ورسم بعض الشواطئ بالطرق الهندسية المضبوطة .

وكانت نتيجة هذه الإصلاحات التي تمت بسرعة غريبة أن هاجم القبطان ‘حسن بك’ مع بعض السفن الحربية سفن الروس المحاصرة لجزيرة ‘لمنوس’ سنة 1771هـ وألزمها رفع الحصار عنها بعد مقاتلة خفيفة وكوفئ حسن بك على هذا الانتصار بتعيينه قبطان باشا الدونانمات العثمانية ورقي إلى رتبة باشا ومن جهة أخرى لم يفلح الروس في ‘طرابزون’ التي أرادوا الاستيلاء عليها وبالاختصار كان النصر حليف الجنود العثمانية برا وبحرا إلا في بلاد القرم فقد احتلها البرنس ‘دلجوروكي’ الروسي ثم أعلن انفصالها عن الدولة العثمانية واستقلالها تحت سيادة وحماية الروسيا وأقام من يدعى ‘جاهين كراي خانا’ عليها باسم ‘كاترينة الثانية’ .

وفي 9 ربيع الأول سنة 1186هـ / 10 يونيو سنة 1772م تهادن الفريقان بناء على توسط النمسا ولكن طلب مندوبو كاترينه الاعتراف باستقلال القرم وحرية الملاحة لسفن الروسيا التجارية في البحر الأسود وجميع بحار الدولة العلية ولما لم تقبل الدولة هذه الشروط انفض الجمع على غير جدوى ثم مدت المهادنة سبعة اشهر واجتمع المؤتمر ثانيا وفيه طلبت كاترينه بلسان مندوبها طلبات أكثر إجحافا بحقوق الدولة وأرسلت بها بلاغا نهائيا في 23 ذي القعدة سنة 1186هـ / 15 نوفمبر سنة 1773م وهي :

أولا : أن تتنازل الدولة للروسيا عن حصن ‘كريش ويكي’ حفظا لاستقلال التتار .

ثانيا : أن تمنح المراكب الروسية تجارية كانت أو حربية حرية الملاحة في البحر الأسودوبحر جزائر اليونان .

ثالثا : تسليم ما بقي من حصون القرم مع الدولة العلية إلى التتار .

رابعا : التنازل عن مدينة ‘قلبورن’ للروسيا وهدم حصون مدينة ‘أوكزاكوف أوزي’ .

خامسا : أن يعطى لقب ‘بادي شاه’ إلى قيصر الروسيا في المعاهدات والمخاطبات السياسية .

سادسا : أن يكون للروسيا حق حماية جميع المسيحيين الأرثوذكسيين في بلاد الدولة .

فيظهر للمطلع على هذه الشروط أن كاترينه ما كانت تظن قبول الدولة لها بل جعلتها طريقة لاستمرار الحرب ولذلك رفضتها الدولة بكل شمم في 28 ذي الحجة سنة 1186هـ وأصدرت أوامرها للجيوش باستئناف القتال بكل شدة خصوصا في بلاد ‘الطونه’ فانهزم الروس بعد أن قتل منهم ثمانية آلاف جندي وبمناسبة هذا الانتصار منح السلطان مصطفى الثالث لقب غازي للقائد عثمان باشا .

ومر الروس في تقهقرهم بمدينة ‘بازارجق’ ولما لم يجدوا بها حامية قتلوا جميع من فيها من شيوخ ونساء وأطفال _ وصدق الله [كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة] _ وبمجرد ما شعروا بقدوم الجنود المظفرة انسحبوا منها بكل سرعة تاركين أمتعتهم حتى قال المؤرخ ‘همر’ أن العثمانيين وجدوا اللحم في القدور على النار وهذا مما يدل على ما وقع في قلوب الجنود الروسية من الرعب من الأسود العثمانية التي لولا عدم كفاءة أو قلة صدق بعض قوادهم لما علموا للتقهقر أو الهزيمة اسما .

ومثال ذلك ما كان من علي بك الملقب بشيخ البلد الذي استقل تقريبا بشؤون مصر فقد تخابر مع قائد الدونانمة الروسية بالبحر الأبيض المتوسط ليمده بالذخائر والأسلحة حتى يستقل بمصر فساعده القائد الروسي رغبة في وجود الحروب الداخلية في الدولة العلية _ فهذا الخائن لم يرد إلا مصالحه والدنيا فيحالف العدو الكافر على إخوانه المسلمين ويعطيهم الفرصة لتفتيت وحدة الصف المسلم _ وبذلك أمكن علي بك فتح مدائن غزة ونابلس وأورشليم ويافا ودمشق وكان يستعد للسير إلى حدود بلاد الأناضول إذ ثار عليه أحد بكاوات المماليك وهو محمد بك الشهير بأبي الذهب فعاد علي بك إلى مصر لمحاربته فانهزم _ وكما تدين تدان _ .

ثم توفي السلطان مصطفى الثالث في 8 ذي القعدة سنة 1187هـ / 21 يناير سنة 1774م وبلغت مدة حكمه ست عشرة سنة وثمانية شهور وكان رحمه الله عادلا محبا للخير وله عدة مآثر خيرية كالمدارس والتكايا ومن آثاره أن أنشأ في ‘إسكدار’ جامعا على قبر والدته ووقف عليه خيرات كثيرة _ وهذا مما يخالف الشرع فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد _ وأصلح جامع السلطان محمد الفاتح الذي زلزلت أركانه زلزلة شديدة وتولى بعده أخوه السلطان الغازي عبد الحميد خان الأو

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً