يوم 11 ذي الحجة / 422 هـ
المكان : الرصافة
ترجمته :
هو الخليفة أبو العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي وأمه اسمها تمني، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ماتت أمه في دولته وقد عجزت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وكان أبيض كث اللحية يخضب، دينا عالما متعبدا وقورا من جلة الخلفاء وأمثلهم، عده ابن الصلاح في الشافعية، تفقه على أبي بشر أحمد بن محمد الهروي، قال الخطيب كان من الدين وإدامة التهجد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه، صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضل الصحابة وإكفار من قال بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث ويحضره الناس، مدة خلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر، قام بخلافته بهاء الدولة في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، استقدموه من البطائح _ البطائح والبطيحة والبطحاء واحد، وتبطح السيل إذا اتسع في الأرض وبذلك سميت بطائح واسط لأن المياه تبطحت فيها أي سالت واتسعت في الأرض وهي أرض واسعة بين واسط والبصرة _ فجهزه أميرها مهذب الدولة علي بن نصر وحمله من الآلات والرخت _ والرخت كلمة فارسية معناها القعود من الإبل وهو الذي يقتعده الراعي في كل حاجة _ بما أمكن وأعطاه طيارا _ أي جوادا سريعا _ فلما قدم واسط أتاه الأجناد وطلبوا رسم البيعة وهاشوا _ والهوش الفتنة والهيج والاضطراب _ فوعدهم بالجميل فرضوا، وكان مقامه بالبطيحة أزيد من سنتين فقدم واستكتب أبا الفضل محمد بن أحمد عارض الديلم _ والديلم جيل من الناس _، وجعل أستاذ داره عبد الواحد الشيرازي، وحلف هو وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه ثم سلطنه، وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني أن القادر كان يلبس زي العامة ويقصد الأماكن المباركة، وطلب من أبي الحسن بن القزويني أن ينفذ له من طعامه فأرسل باذنجانا مقلوا بخل وباقلي ودبسا _ والدبس عسل التمر أو عسل النحل وقيل هو ما يسيل من الرطب _ فأكل منه وفرق وبعث إليه بمائتي دينار فقبلها، ثم طلب منه بعد ذلك طعاما فبعث إليه فراريج _ والفروج هو الفتى من ولد الدجاج _ ودجاج وفالوذج فتعجب الخليفة وسأله فقال لم أتكلف ولما وسع علي وسعت على نفسي، فأعجبه وكان يتفقده .
وفي سنة [383 هـ] تزوج القادر بالله سكينة بنت الملك بهاء الدولة .
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وفيها عظم الخطب بأمر العيارين _ والعيار هو كثير المجيء والذهاب والتطواف _ فعاثوا ببغداد فسادا وأخذوا الأموال والعملات ليلا ونهارا وحرقوا مواضع كثيرة وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشرط فلم يفد ذلك شيئا بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال وقتل الرجال وإرعاب النساء والأطفال في سائر المحال فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم فهربوا بين يديه واستراح الناس من شرهم، وفي رمضان سنة [392 هـ] قوى أمر العيارين مرة أخرى ونهبت بغداد وانتشرت الفتنة فولى بهاء الدولة وزارته عميد الجيوش الوزير الحسن بن أبي جعفر وكان أبوه من حجاب عضد الدولة فمهد البلاد وأخاف العيارين واستقامت به الأمور، وبلغ من حرصه أن أمر بعض غلمانه أن يحمل صينية فيها دراهم مكشوفة من أول بغداد إلى آخرها وأن يدخل بها في جميع الأزقة فإن اعترضه أحد فليدفعها إليه وليعرف ذلك المكان، فذهب الغلام فلم يعترضه أحد فحمد الله وأثنى عليه .
وفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة عقد القادر بالله ولاية العهد لابنه الغالب بالله وهو ابن تسع سنين؛ وعجل بذلك لأن الخطيب الواثق سار إلى خراسان وافتعل كتابا من القادر بأنه ولي عهده، واجتمع ببعض الملوك فاحترمه وخطب له بعد القادر، ونفذ رسولا إلى القادر بما فعل فأثبت فسق الواثقي ومات غريبا .
وفي هذا الوقت انبثت دعاة الحاكم بأمر الله في الأطراف فأمر القادر بعمل محضر يتضمن القدح في نسب العبيدية وأنهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي _ والدولة العبيدية تنسب إلى عبيد الله أبو محمد أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام وأعلنوا بالرفض وأبطنوا مذهب الإسماعيلية وبثوا الدعاة يستغوون الجبلية والجهلة، وادعى هذا المدبر أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق، وقيل لم يكن اسمه عبيد الله بل إنما هو سعيد بن أحمد وقيل سعيد بن الحسين، وقيل كان أبوه يهوديا لأن أباه الحسين قدم سلمية فوصفت له امرأة يهودي حداد قد مات عنها فتزوجها الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله القداح هذا وكان لها ولد من اليهودي فأحبه الحسين وأدبه، ولما احتضر عهد إليه بأمور وعرفه أسرار الباطنية وأعطاه أموالا فبث له الدعاة، وقيل أنه من أولاد ديصان صاحب كتاب الميزان في الزندقة وكان يتولى أهل البيت _ فشهدوا جميعا أن الناجم بمصر منصور بن نزار الحاكم حكم الله عليه بالبوار وأن جدهم لما صار إلى الغرب تسمى بالمهدي عبيد الله وهو وسلفه أرجاس أنجاس خوارج أدعياء وأنتم تعلمون أن أحدا من الطالبيين لم يتوقف عن إطلاق القول بأنهم أدعياء وأن هذا الناجم وسلفه كفار زنادقة ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون؛ عطلوا الحدود وأباحوا الفروج وسفكوا الدماء وسبوا الأنبياء ولعنوا السلف وادعوا الربوبية، وكتب في المحضر الشريف الرضي والشريف المرتضى ومحمد بن محمد بن عمر وابن الأزرق العلويون والقاضي أبو محمد بن الأكفاني والقاسم أبو القاسم الجزري والشيخ أبو حامد الإسفراييني وأبو محمد الكشفلي وأبو الحسين القدوري وأبو علي بن حمكان، وبعث ابن سبكتكين إلى القادر بأنه ورد إليه الداعي من الحاكم يدعوه إلى طاعته فخرق كتابه وبصق عليه .
ووقع ببغداد بين الشيعة والسنة فتن عظمى واشتد البلاء واستضرب عليهم السنة _ أي استأصلوهم _، واستتاب القادر فقهاء المعتزلة فتبرؤا من الاعتزال والرفض وأخذت خطوطهم بذلك، وقتل الدرزي الذي ادعى ربوبية الحاكم، وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر فبث السنة بممالكه وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والمشبهة والجهمية والمعتزلة ولعنوا على المنابر، وافتتح ابن سبكتكين عدة مدائن بالهند وورد كتابه يقول فيه: صدر العبد من غزنة في أول سنة عشر وأربعمائة وانتدب لتنفيذ الأوامر فرتب في غزنة خمسة عشر ألف فارس وأنهض ابنه في عشرين ألفا وشحن بلخ وطخارستان باثني عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل وانتخب ثلاثين ألف فارس وعشرة آلاف راجل لصحبه راية الإسلام وانضم إليه المطوعة فافتتح قلاعا وحصونا وأسلم زهاء عشرين ألفا وأدوا نحو ألف ألف من الورق وثلاثين فيلا وعدة الهلكى خمسون ألفا، ووافى العبد مدينة لهم عاين فيها نحو ألف قصر وألف بيت للأصنام ومبلغ ما على الصنم ثمانية وتسعون ألف دينار وقلع أزيد من ألف صنم ولهم صنم معظم يؤرخون مدته بجهالتهم بثلاثمائة ألف سنة وحصلنا من الغنائم عشرين ألف ألف درهم وأفرد الخمس من الرقيق فبلغ ثلاثة وخمسين ألفا واستعرضنا ثلاثمائة وستة وخمسين فيلا، وقتل بمصر الحاكم وأراح الله منه سنة إحدي عشرة وأربعمائة .
ومرض القادر بالله في سنة إحدى وعشرين ثم جلس للناس وأظهر ولاية العهد لولده أبي جعفر، وكان طاغية الروم قد قصد الشام في ثلاثمائة ألف ومعه المال على سبعين جمازة _ وهي الناقة الوثابة السريعة _ فأشرف على عسكره مائة فارس فقط من الأعراب وألف راجل فظنوا أنها كبسة فلبس ملكهم خفا أسود لكي يختفي وهرب فنهب من حواصله أربعمائة بغل بأحمالها وقتل من جيشه خلق _ فتأمل هذا الرعب الذي ينصر الله به المسلمين على عدوهم وصدق الملى عز وجل [يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم] _ .
وفي ذي الحجة من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة مات القادر بالله في أول أيام التشريق في ليلة الإثنين الحادي عشر من ذي الحجة وصلى عليه ابنه القائم بأمر الله وكبر عليه أربعا ودفن في الدار ثم بعد عشرة أشهر نقل تابوته إلى الرصافة وعاش سبعا وثمانين سنة سوى شهر وثمانية أيام وما علمت أحدا من خلفاء هذه الأمة بلغ هذا السن حتى ولا عثمان رضي الله عنه وجلسوا في عزائه سبعة أيام لعظم المصيبة به ولتوطيد البيعة لولده المذكور.