الزمان/ 2 رجب – 110هـ
المكان/ البصرة – العراق
الموضوع / وفاة العالم العابد الرباني الحسن البصري.
الأحداث/
يتفاوت الدعاة فيما بينهم بين قوتين , بين القوة العلمية والقوة العملية فالبعض تغلب قوته العلمية فهو مثل البئر الذي من يريد أن يشرب لابد أن يأتيه ويدلي فيه إناءه ، وبعضهم تغلب قوته العملية العلمية فيكون مثل البركان الثائر الذي لا يستطيع أحد السيطرة عليه عند ثورته والبعض وهم الأقل من تتكافأ القوتان عنده وتصير كلتا القوتان مثل جناحي الطائر الذي يحلق في سماء الدعوة والإرشاد وهداية الناس , وقل أن نجد عبر التاريخ الإسلامي من العلماء من يجمع بين العلم والعمل والقوة والعبادة وهؤلاء هم فخر هذه الأمة ونجوم سماءها ومصابيح دجاها وقناديل الهدى فيها وهؤلاء لابد التوقف عندهم طويلاً والاستفادة من سيرتهم العطرة وصاحبنا من أئمة هذا النوع , وحياته كلها عبارة عن درس كبير لكل الدعاة .
هو الحسن بن يسار البصري المكنى بأبي سعيد البصري , كان أبوه من موالي زيد بن ثابت ولد قبل وفاة الفاروق عمرـ رضي الله عنه ـ بعامين أي سنة 21هـ وكانت أمه خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ وكانت تخدمها وربما أرسلتها أم سلمة في حاجة فتنشغل عن ولدها الحسن وهو رضيع فتشاغله أم سلمة بثدييها فيدران عليه فيرتضع منهما فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أويتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من الثدي المنسوب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وكانت أمه تخرجه وهو صغير إلى الصحابة فيدعون له ودعا له عمر بن الخطاب يوماً فقال له ‘اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس ‘ فجاءت هذه الدعوة منطبقة تماماً على حياة الحسن البصري فما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها واشتهر بين الناس بالعلم والفقه والزهد والورع وطول البكاء والحزن الدائم والتقى مع كثير من الصحابة حتى أثنى عليه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ فقال عندما سئل عن مسألة ‘سلوا عنها مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا’ وهذه شهادة عظيمة من صحابي جليل القدر والمقام .
نشأ وعاش الحسن البصري حياته كلها في البصرة فلم يخرج منها إلا للجهاد أو الحج وكان من أحسن الناس وجهاً وهيئته وطلعته بهية تأسر القلوب رغم أنه أسود اللون حتى قال عنه الشعبي ‘إذا نظرت إلى أجمل أهل البصرة وأهيبهم فهو الحسن البصري’ حتى أن الناس حسدوا أهل البصرة على وجود الحسن وابن سيرين عندهم , وما زال الحسن يرقى في سلم العلم والعمل والحكمة حتى قال عنه الناس أن كلامه يشبه كلام الأنبياء فكان للحسن الكثير من الكلام النافع الجامع للخير والنصح والزهد وكان ينطق بالحكمة وجمع له أهل العلم مقالاته واعتنوا بها خاصة ابن أبي الدنيا والإمام أحمد وغيرهما , قال عنه ابن سعد ‘كان الحسن جامعاً للعلم والعمل والزهد عالماً رفيعاً فقيهاً ثقة مأموناً عابداً زاهداً ناسكاً فصيحاً جميلاً وسيماً , حتى أنه من فصحاته لم يلحن ولو مرة واحدة في جدل ولا في هزل , وكان إذا قدم مكة اجتمع عليه أهلها ووضعوا له سريراً يقوم عليه فيحدث الناس , وكان الحسن طويل الحزن والبكاء ولا يراه أحد إلا يحسب أنه حديث عهد بمصيبة كأنه قد بث عليه حزن الخلائق’ قال يزيد بن حوشب ‘ما رأيت أحزن من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما , ومكث الحسن ثلاثين سنة لم يضحك’ .
كان الحسن رغم علمه وعبادته وزهده وتقشفه من أشجع الناس وأقواهم حتى أن زنده كان طوله شبراً وكان في الجهاد مقدم الصفوف يوضع في أنكى الأماكن وأشدها وكانت شجاعته وقوته تقاس بقطري بن الفجاءة وغيره من أبطال وشجعان زمانه وكان المهلب بن أبي صفرة يعرف ذلك عنه فيستعين به دائماً في العمليات الخطيرة مع كفار الترك وروى عنه أنه لم يبارز أحداً إلا قتله أو عفا عنه .
كان الحسن من نوع العلماء الدعاة المربين للناس بالموقف وبالقدوة في آن واحد فلم يكن يدع مناسبة تمر هكذا حتى يعلم الناس درساً وموعظة أو يرسخ مفهوماً عندهم أراد يوماً أن يعلم الناس التصدق للجهاد فقام في المسجد ومعه بعض عبيد له فخطب في الناس وحرضهم على التصدق ثم أعتق عبيده هؤلاء فتسارع الناس بصدقاتهم .
بنى الحجاج يوماً قصراً منيفاً وأمر الناس بالخروج لرؤيته فخرج الناس لذلك فلم يشأ الحسن أن يفوت على نفسه فرصة اجتماع الناس لذلك حتى يعظهم ويذكرهم خاصة أن الناس قد انبهروا بالبناء فقام الحسن فيهم خطيباً ‘لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد وبنى أعلى مما بنى ثم أهلك الله فرعون وأتى على ما بني وشيد , ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه وأن أهل الأرض قد غروه’ .
كان الحسن من الدعاة الربانيين الذين ضربوا أروع الأمثلة في الدعوة لدين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق والتصدي للظالمين وله من المواقف المشهودة مع الظالمين الكثير والكثير، وحدث له مع الحجاج عدة مواقف خاطب فيها الحجاج بقوة وثبات وعصمه الله عز وجل من شر الحجاج مرات عديدة وما وقف أمام طغيان الحجاج إلا القلائل من الرجال على رأسهم الحسن البصرى أرسل إليه مرة ليقتله وجهز السيف والعظم فلما دخل عليه الحسن هابه الحجاج هيبة عظيمة وأصيب بالرعب منه ثم قال له ‘هاهنا يا أبا سعيد ها هنا ثم ما زال يوسع له ويقول ها هنا حتى أجلسه على فراشه ثم بدأ الحجاج يسأله عن أمور الدين والحسن يجيبه عنها بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع فقال له الحجاج : أنت سيد العلماء يا أبا سعيد ثم دعا بغاليه وطيب له بها لحيته وودعه’ وكان الحسن للناس بمثابة الردء والحصن الذي يلجأون إليه من ظلم ويروى أن الحجاج سلط الله عز وجل عليه الأكلة والدود في بطنه بدعاء الحسن عليه عندما علم الحسن أن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير فرفع الحسن يديه مناجياً ربه ‘اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج’ فما لبث إلا ثلاثة أيام بعدها .
وكان للحسن مواقف مع غير الحجاج جهر فيها بالحق كما حدث مع ابن هبيرة عندما استفتاه في أمور ينكرها من الخليفة الوليد بن عبد الملك فداراه الشعبي وجهر بالحق والنصح الحسن البصري فأجزل ابن هبيرة المثوبة والعطاء للحسن وطفف للشعبي .
كان الحسن البصري يكره أن تقترق الأمة وأن يسفك دماؤها ورغم أنه كان شديد الإنكار على الظالمين والحجاج وغيره إلا أنه لم ير جواز الخروج عليه لعظم المفاسد المترتبة على ذلك فطالما الظلم لم يخرج للكفر فلا يخرج عليه والعجيب أن أخاه سعيد البصري كان ممن يخرجون على الحجاج لظلمه والحسن لا يرى جواز ذلك , جاءه بعض الثائرين يستفتونه في حكم الخروج على الحجاج فقال لهم ‘إن كان الحجاج نقمة من الله عليكم فكيف تواجهون نقمة الله بسيوفكم عليكم بالصبر والدعاء والتضرع إلى الله بكشف الضر عنكم’ فلم يقبلوا منه قوله وخرجو على الحجاج فقتلوا جميعاً وهذا من فقه الداعية أن يوازن بين المصالح والمفاسد ويحكم الشرع والعقل في كل أموره وحتى عندما خرج يزيد بن المهلب سنة 102هـ ودعا أهل العراق لذلك فأجابوه كان الحسن البصري يحرض الناس على الكف وترك الدخول في الفتنة وينهاهم أشد النهي ويذكرهم بما حدث أيام فتنة ابن الأشعث حتى أن ابن المهلب تهدده وتوعده بالقتل إذا لم يكف عن ذلك والحسن لا ينتهي عن نصح الناس والقيام بدوره وهو داعية الناس وإمامهم .
ظل الحسن طوال عمره بين علم وعمل ودعوة وجهاد ونصح وإرشاد وزهد وتقشف وبكاء وحزن وتدريس وإفتاء حتى أحبه الناس حباً شديداً وهابوه أعظم من هيبة الخلفاء حتى أن عبد الرحمن بن الأشعث لما أراد أن يخرج على الحجاج والوليد بن عبد الملك قيل له ‘إذا أردت أن يقتل الناس حولك كما قتلوا حول جمل عائشة فأخرج الحسن معك’ وذلك لحب الناس لهذا العالم الرباني .
ومن أعجب ما يروى عن الحسن البصري أن رجلاً جاء لابن سيرين وكان من أكبر علماء الأمة وإمام في تفسير الأحلام فقال له ‘رأيت في المنام رجلاً عرياناً واقفاً على مزبلة وبيده طنبور يضرب به’ فقال ابن سيرين ‘لا تصلح هذه الرؤيا في زماننا هذا إلا للحسن البصري ‘ فقال الرجل ‘الحسن هو والله الذي رأيت’ فقال ابن سيرين ‘نعم لأن المزبلة الدنيا وقد جعلها تحت رجليه وعريه تجرده عنها , والطنبور الذي يضرب به هي المواعظ التي يقرع بها آذان الناس’ فرحم الله الحسن ورفع درجته في عليين