الزمان/ 24 رجب – 676هـ
المكان/ قرية نوى – دمشق
الموضوع/ وفاة الإمام الكبير محيي الدين النووي .
الأحداث/
هو الإمام الكبير والحافظ القدوة شيخ الإسلام وعلم الأولياء محيي الدين أبو زكريا يحيي بن شرف بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام الحازمي النووي ولد بقرية نوى من أعمال حوران ‘وهي مدينة بصرى’ بجوار دمشق سنة 631هـ وكان أبو من أهلها المستوطنين بها وقد بدأت قصته مع العلم والدين والورع عندما كان عمره سبع سنوات وكان نائماً بجوار أبيه في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان فانتبه يحيى نحو نصف الليل وقال ‘يا أبت ما هذا الضوء الذي ملأ الدار’ فاستيقظ الأهل جميعاً وقالوا ‘لم نر كلنا شيئاً’ فقال والده ‘فعرفت أنها ليلة القدر’ ومن يومها علم أن لولده هذا شأناً , نشأ يحيى محباً للقرآن والسنة فكان هو وابن عشر سنين بنوى يعتزل مجالس لهو الصبيان ويقبل على قراءة القرآن والصبيان يكرهونه على اللعب وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم له وقد جعله أبوه في دكان للبيع والشراء فما كان يلتفت للبيع وللشراء إنما هو مقبل على القرآن فرآه أحد الصالحين وهو الشيخ ‘يوسف الزركشي’ وهو على حالته تلك مع القرآن فقال لأبيه ‘هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به’ فقال أبوه ‘منجم أنت’ فقال الشيخ ‘لا وإنما أنطقني الله بذلك’ فاقتنع والده بهذا الكلام ففرغ ولده يحيى للقرآن حتى ختمه وقد ناهز الاحتلام .
عندما بلغ الثامنة عشر من عمره توجه إلى مدينة دمشق للتحصيل والتعلم فنزل في إحدى المدارس الشرعية وقتها في منطقة الرواجية وكانت هذه المدارس بمثابة أماكن للإقامة الدائمة بها لوازم الإعاشة من طعام وجواية ونفقة للطالب المتفقه وعلى غرارها نشأت المدارس الداخلية في أوروبا وغيرها , دخل يحيى تلك المدرسة فعكف على تلقي العلوم والفقه على المذهب الشافعي فأظهر نبوغاً ومقدرة فائقة على الحفظ وهمة عالية في التحصيل والانقطاع لذلك فحفظ كتاب التنبيه في المذهب في أربعة أشهر ونصف وحفظ كتاب المهذب للشيرازي في باقي السنة على شيخه الكمال بن أحمد وكان يقرأ كل يوم اثنا عشر درساً على مشايخه شرحاً وتصحيحاً وهم مقسمين كالآتي : درسين في الوسيط ‘فقه’ ودرسين في المهذب ‘فقه’ ودرساً في الجمع بين الصحيحين ‘حديث’ ودرساً في صحيح مسلم ‘حديث’ ودرساً في اللمع لابن حتى ‘نحو’ ودرساً في إصلاح المنطق ودرساً في التصريف ‘لغة’ ودرساً في أصول الفقه ودرسا ًفي أسماء الرجال ‘مصطلح حديث’ ودرساً في أصول الدين وهكذا يتضح لنا أن دروس الشيخ كانت في فروع العلم كله .
ولما كانت شخصية النووي ميالة للعلم فلقد فكر النووي ذات يوم في دراسة الطب بجانب العلوم الشرعية فاشترى كتاب القانون لابن سينا وأخذ في قراءته بجانب العلوم الشرعية فوجد قلبه قد أظلم عليه فلم يقدر على تحصيل شئ من العلوم سواءً الشرعية أو الطبية فعلم أن السبب هو اشتغاله بالطب مع الشرع فباع كتاب القانون وتفرغ للعلوم الشرعية فعادت إلى قلبه عافيته وقدرته على التحصيل .
سمع النووي من كثير من العلماء والشيوخ والتقى مع كبار أهل العلم وسمع الكتب الستة والمسند والموطأ وشرح السنة للبغوي وسنن الدارقطني والتقى مع العالم الكبير ابن مالك صاحب الألفية وقرأ عليه ولازم السماع والاشتغال طيلة ستة سنوات[3] ثم انتقل بعد ذلك للتصنيف والتدريس ونشر العلم الذي حصله ففتح الله عز وجل عليه وبارك في وقته فصنف من الكتب والمؤلفات في وقت قليل ما لم يكن لغيره من العلماء فمن تصانيفه شرح صحيح مسلم ورياض الصالحين والأذكار والأربعين والمبهمات وتحرير الألفاظ والتبيان في آداب حملة القرآن والفتاوى والروضة وشرح المهذب المعروف بالمجموع وغير ذلك من الكتب التي بارك الله عز وجل فيها ومازالت تطبع وتتداول حتى الآن ولعل السبب وراء ذلك إخلاص صاحبها ونيته الطيبة عند التصنيف .
كان للنووي رحمه الله منهج فريد مع نفسه فكان لا يضيع له وقتاً لا في ليل ولا في نهار حتى في الطريق وله مصابرة عجيبة على أنواع الخير لا يصرف ساعة في غير طاعة وبجانب علمه الغزير كان من العباد الزهاد فاشتهر عنه كثرة الصلاة والذكر والصيام وجاهد نفسه وعمل بدقائق الورع والمراقبة والتصفية من الشوائب حتى إنه كان لا يدخل أي حمام لكثرة المنكرات ولا يأكل من فاكهة أو خضار دمشق شيئاً فلما عوتب في ذلك قال :’دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك من تحت الحجر والتصرف لهم ولا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة وفيها اخلاف فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك’ وكان يأكل مما يرسله له أبوه من قريته نوى وكان يأكل في اليوم والليلة أكلة واحدة ويشرب شربة واحدة عند السحر وكان لا يقبل من أحد شيئاً إلا في النادر مما لا يشتغل عليه ولربما قبل هدايا الفقراء وكان نادراً ما يجمع بين آدامين في طعامه , ولقد قال له قرينه الرشيد بن المعلم ‘لما تضيق العيش على نفسك في المأكل والمشرب والملبس ألا تخاف أن يصيبك مرض يعطلك عن الاشتغال بالعلم’ فقال النووي :’إن فلاناً صام وعبد الله عز وجل حتى اخضر جلده وإني أخاف أن أتوسع في المأكل فيرطب جسمي ويجلب لي النوم’ ولم يكن لأحد من الناس عليه منة ولا فضل .
وكان النووي من طراز العلماء العاملين بعلمهم فلم يكن من الساكنين أو الخاملين أو المنغلقين على كتبهم وتلاميذهم بل كان إمام عامة يتكلم في شأنهم وكان إماماً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار ويكتب ويخوفهم بالله تعالى , كتب مرة إلى الظاهر بيبرس فأغلظ له في الكلام ووعظه وخوفه وردعه عن بعض المظالم فغضب الظاهر من ذلك وأمر بإبعاده من دمشق فلما خرج النووي منها خرج معه كل أهل العلم وطلاب المدارس الشرعية وعندها استرضاه الظاهر وأعاده لدمشق وكان النووي يقف للظاهر في دار العدل ويراجعه كثيراً حتى قال الملك الظاهر لجلسائه مرة أني لأفرغ من النووي عندما أراه , حتى قال عنه أهل العلم ‘كان الشيخ محيي الدين قد صار إلى ثلاث مراتب كل مرتبة لو كانت لشخص لشدت إليه الرحال : العلم والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر’ .
كان النووي رحمه الله ضعيف الجسد كثير العلل من كثرة اشتغاله بالعلوم والفقه لم يتفرغ لحظ نفسه شيئاً فلم يتزوج رحمه الله ولم يهتم ببنيانه فكثرت عليه الأمراض حتى أنه في رحلة حجه كان في معظمها مريضاً , وفي سنة 676 هـ زار بيت المقدس وعاد لقريته نوى لزيارة والديه وأهله فمرض عند والده ولم يقو جسده النحيل على مقاومة المرض فتوفي رحمه الله في 24 رجب 676هـ بعد عمر قصير قضاه النووي في العلم والعمل والعبادة والورع حتى صار أستاذ المتأخرين والعمدة في الفقه الشافعي إليه يرجع الشافعية عند اختلافهم هذا مع اجتهاده المطلق في كثير من المسائل وخير دليل على صدق نية هذا العالم الكبير حفظ عز وجل لعلمه وكتبه وانتفاع الناس بها حتى وقتنا الحاضر فجزاه الله عنا وعن الإسلام خيراً وتقبله عنده في الصالحين .