صفحات منسية

وفاة ابن حزم الأندلسي – مجدد المذهب الظاهري

الزمان/ 27 شعبان – 456هـ

المكان/ قرطبة – الأندلس

الموضوع/ وفاة الإمام الكبير ابن حزم الظاهري أفضل علماء الأندلس  .

الأحداث/

مفكرة الإسلام : هذه قصة عالم أثبت أن طلب العلم لا يشترط له أن يكون من الصغر المبكر وأثبت أيضاً أن الغنى والثراء الواسع والنفوذ الدنيوي لا يقف أبداً عائقاً أمام طلب العلم وأثبت أن باب الاجتهاد لم يغلق ولن يغلق أبداً طالما كانت هناك عقول وفهوم للمسلمين وأثبت أيضاً إمكانية التبحر في فنون عديدة من العلوم الشرعية , إنها قصة عالم يعتبر أكثر أهل الإسلام تأليفاً وتصنيفاً بعد شيخ الشيوخ ابن جرير الطبري .

نشأته :

هو الإمام الحافظ العلامة أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي , جده خلف من موالي يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنها وأصله من فارس , وجده خلف هو أول من دخل بلاد المغرب منهم ومنها إلى الأندلس مع الفاتحين الأوائل واستوطن جده في قرطبة التي ولد فيها صاحبنا ابن حزم سنة 384هـ في سلخ رمضان في بيت رئاسة ووجاهة ومال وثروة فقد كان أبوه أحمد بن سعيد من وزراء المنصور العامري أقوى من حكم الأندلس , وكان أبوه من المهتمين بالعلم وورث عنه ابن حزم مكتبة حافلة بالكتب النفيسة , ولم يكن لابن حزم في صدر شبابه اهتمام بالعلوم حتى جاء اليوم الذي تغيرت فيه حياة ابن حزم بالكلية .

الحادثة :

حدث ذات يوم أن مات أحد أقربائه فدخل المسجد قبل صلاة العصر ليصلوا على الميت فجلس ابن حزم من غير أن يصلي ركعتين قبل الجلوس فقال له أحد من في المسجد :’قم فصلي ركعتين’ ثم صلى العصر وذهبوا لدفن ميتهم ثم عادوا قبيل صلاة المغرب فدخل ابن حزم المسجد فهم أن يصلي ركعتين فقال له أحد الحضور:’اجلس فلا تصل فليس هذا وقت صلاة’ فتحير ابن حزم من هذا الكلام وكان عمره وقتها ستة وعشرين سنة فذهب بعد صلاة المغرب إلى مربيه الذي كان يحفظه القرآن وهو صغير فاشتكى له ما جرى فأرشده مربيه إلى تلقي العلم ومدارسته فأقبل ابن حزم من يومها على دراسة العلوم الشرعية وكان ذا فطنة وذكاء شديدين وعقل يستوعب بسرعة عجيبة .

تحوله من المذهب الشافعي إلى المذهب الظاهري :

برع ابن حزم في فنون متعددة وساعده على ذلك قدرته الفائقة على التحصيل وتسيير المادة العلمية له بسبب ثرائه ومكتبة والده الكبيرة التي ورثها كلها وتفقه ابن حزم أولاً على المذهب الشافعي الذي لم يكن له أتباع كثيرون في الأندلس التي كان يغلب عليها المذهب المالكي ودخل ابن حزم في مناظرات ومجادلات كثيرة مع المالكية وتعصب بشدة للشافعي وناله بذلك أذى كثيراً ثم قام ابن حزم بدراسة المذهب الظاهري الذي ينسب لداود الظاهري المتوفى سنة 270 ببغداد وكان وقتها قد ولى الوزارة للمظفر بن المنصور العامري فاعتزل الوزارة وانقطع لطلب العلم واعتكف فترة لدراسة العلوم الشرعية واجتهد حتى أواه اجتهاده للتحول للمذهب الظاهري الذي ينفي القياس نفياً كلياً سواءاً كان خفياً أو جلياً وتحريم التقليد وفرض وجوب الاجتهاد على كل مسلم والعمل بظاهر النصوص دون النظر في عللها ورغم أنه كان ظاهرياً في الفروع إلا أنه لم يسلك هذا المسلك في الأصول فتخبط بشدة وأخطأ في باب الصفات أخطاء شنيعة وكان من أشد الناس تأويلاً حتى نسبه شيخ الإسلام في مواضع من كلامه للفسق !! والسر وراء ذلك أنه قد درس في مقتبل دراسته العلمية علم المنطق والكلام وتضلع منه حتى كاد أن يهلكه وذلك على يد محمد بن الحسن الكناني القرطبي ففسد بذلك حاله في باب الصفات وأنقص من مكانته العلمية العالية .

مصنفاته :

يعتبر ابن حزم من أكثر علماء الإسلام تصنيفاً وتأليفاً وكان مجتهداً مطلقاً ألف قرابة أربعمائة مجلد في ثمانين ألف ورقة وهو بذلك يحتل المكانة الثانية بعد ابن جرير الطبري في كثرة التصنيف .

وكان ابن حزم متبحراً في فنون متعددة فقد كان أديباً وشاعراً وطبيباً وفصيحاً وله في الطب والمنطق كتب عديدة وله مصنفات فقهية هائلة منها كتاب الإيصال الذي يعد أكبر موسوعة فقهية اعتمد فيها على ذكر المسألة والآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين وأصحاب المذاهب فقد كان ابن حزم نادرة في النقل ثم اختصر هذا الكتاب في كتاب الخصال ثم كتاب المحلى بالآثار الذي قال عنه سلطان العلم العز بن عبد السلام ‘أفضل ما كتب في الإسلام المحلى والمغني لابن قدامة’ , ولابن حزم مصنفات في فروع كثيرة من العلم فله في أصول الدين والفرق والعقائد ومصطلح الحديث والفقه والبلاغة والأدب ولم يترك ابن حزم باباً من أبواب العلم إلا طرقها وبقوة وصنف فيها.

محنته :

مما أضاع كثيراً من مكانة ابن حزم ومنزلته عند أهل العلم هو لسانه وحدة مزاجه فلقد كان لابن حزم لسان قال عنه ‘سيف الحجاج ولسان ابن حزم قرنيان’ لكثرة وقيعته في العلماء سابقاً وحاضراً وكثرة مناظراته مع علماء المالكية وخاصة أبي الوليد الباجي عالم الأندلس الكبير وشيخ المالكية وكان لسان ابن حزم وقلمه سبباً في نفور أهل العلم عنه وإعراضهم عن كتبه رغم ما فيها من علوم نافعة حتى شنعوا عليه ورموه بالعظائم وألجأوه أن يخرج من إشبيلية وأحرقت كتبه في محاضر عامة وكرهه الأمراء والملوك ونفوه عن بلادهم وصار ينتقل من بلد لأخرى ومعه مصنفاته التي بلغت حمل بعير وقد أحرقوا معظمها وهو يعيد إملائها من صدره وحفظه و مما زاد كراهية الناس له شدة ميله لأمراء وملوك بني أمية في الأندلس وقوله بأحقيتهم عن غيرهم بالولاية مما دعى بخصومه لأن يرموه بالنصب حتى استقر في جزيرة ميورقة فلقي فيها احتفال وتقدير عظيم وعلت مكانته مرة أخرى وعاد لسانه الحاد للطعن في العلماء حتى وشوا به لأمير ميورقة فطرده منها وكان قد بلغ السبعين من عمره فعاد مرة أخرى لبلده التي ولد فيها بالقرب من قرطبة ومات فيها وقد اعتذر في آخر حياته عن حدة لسانه ووقيعته في العلماء وقال أن سبب سوء مزاجه هو إصابته بالربو وضيق التنفس مما يجعل صدره ضيقاً حرجاً عند أي مناظرة , وإلا فهو من أكابر أهل العلم في الإسلام وترك وراءه علماً غزيراً نافعاً فرحمه الله وغفر له ما كان من زلات

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً