صفحات منسية

وفاة ابن الجوزي – إمام الوعظ

الزمان/ 12رمضان – 597هـ

المكان / بغداد – العراق .

الموضوع / وفاة الإمام الحنبلي ابن الجوزي الواعظ الشهير .

الأحداث /

مفكرة الإسلام : هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبدا لله بن حمادي بن أحمد الجوزي ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه الشيخ الحافظ الواعظ جمال الدين أبو الفرج المشهور بابن الجوزي القرشي التيمي البغدادي الحنبلي أحد أفراد العلماء , برز في علوم كثيرة وصنف تقريباً من ثلاثمائة مصنف في شتى فروع العلوم , ولد ابن الجوزي سنة 510 هـ ومات أبوه وعمره ثلاث سنين فكفله أعمامه وكانوا تجاراً في النحاس لذلك عرف في شبابه بعد الرحمن الصفار أي النحاس , فلما ترعرع جاءت به عمته إلى مسجد محمد بن ناصر الواعظ الحافظ فلزمه ابن الجوزي وقرأ عليه وسمع منه ثم جلس لابن الزغواني إمام الحنابلة في وقته وتفقه على يديه ودرس الفقه على يد أبي منصور الجواليقي وكان ابن الجوزي في صباه دنياً مجموعاً على نفسه لا يخالط أحداً ولا يأكل ما فيه شبهة ولا يخرج من بيته إلا للجمعة وكان لا يلعب مع الصبيان وكان ذو همة عالية وطموح شديد للعلا لذلك لما مات شيخه ابن الزغواني طلب ابن الجوزي أن يأخذ مكانه في حلقة التدريس وكان وقتها ابن السبعة عشر فقط وذلك أدى كثير من معاصره أن يصفوه بالترفع والإعجاب بالنفس أكثر من مقامه وساعدهم على ذلك كثرة طعن ابن الجوزي في كثير من المشهورين السابقين وكان هذا الطعن سبباً لمحنته في آخر حياته .

بداية شهرته :

أحب ابن الجوزي الوعظ وحفظ منه أجزاءاً كثيرة وترقي فيه منذ أن كان في العشرين من عمره حتى صار علماً على هذا الفن وأستاذه الأول بلا منازع فلم يسبقه أحد ولم يلحق شأوه فيه وتفرده في طريقته وشكله وفصاحته وبلاغته مع عذوبة صوته وحلاوة صياغته وغوصه في المعاني البديعة وتقريبه الأشياء الغريبة بما يشاهد من الأمور الحسية بعبارة وجيزة سريعة الفهم والإدراك سأله رجل يوماً أيما أفضل ؟ أجلس أسبح أو أستغفر ؟ فقال على الفور ‘الثوب الوسخ أحوج إلى البخور’ وكان سريع البديهة قوي الفهم يستطيع أن يخرج من المواقف الصعبة بحسن بيانه , سأله يوماً رجل بغيض يكرهه أمام جمع من الناس في بغداد فيهم شيعة وسنة فقال له أيهما أفضل أبو بكر أم علي ؟ فقال على الفور ‘من كانت بنته تحته فهو أفضل’ فظن الشيعة أنه علي وظن السنة أنه أبو بكر , وحضر مجالس وعظه الخلفاء والوزراء والملوك والأمراء والعلماء والفقراء ومن سائر صنوف بني آدم وأقل من يجتمع لوعظه عشرة آلاف وربما اجتمع عنده مائة ألف أو يزيدون .

مصنفاته :

ولابن الجوزي الكثير من المصنفات البديعة وفي فنون متنوعة فله في التفسير والحديث والفقه وله كتاب المنتظم في التاريخ من أشهر كتب التاريخ وله كتب في الوعظ كثيرة مازالت تطبع حتى الآن وله أيضاً كتاب في الطب والحساب والكلام وله كتاب جامع المسانيد والموضوعات في الحديث والعلل المتناهية في الأحاديث الواهية ورغم ذلك كتب وعظه مشحونة بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ومما نريد أن نلفت الانتباه إليه إلى أن ابن الجوزي رغم أنه كان حنبلياً إلا أنه كان يؤول في باب الصفات ووقع في حرج شديد مع الحنابلة لمخالفته لمنهج الإمام أحمد في العقيدة وهذا أدى ببعضهم لتفسيقه وهجره والتشنيع عليه ورميه بالتعطيل والتجهم وغير ذلك من العظائم ولقد رأيت كتاباً ألفه أحد المعاصرين المغمورين في الطعن على ابن الجوزي نقل فيه كلام الحنابلة السابقين ولابد من الإنصاف والعدل مع المخالفين فهو برئ من العظائم الذين رمهو بها وصاحب فضائل عظيمة ومصنفات كثيرة ولكنه زل في باب الصفات والتأويل والله يغفر له زلته لسابق فضائله وحسناته فلقد اهتدى على يديه آلاف من الناس وأسلم على يديه الكثير .

محنة ابن الجوزي :

كان ابن الجوزي مقرباً عند الخلفاء خاصة الخليفة المستضئ بالله الذي كان يحب ابن الجوزي جداً ويسمع لنصائحه ووعظه وتاب على يديه وعلا شأن الحنابلة بسبب حب المستضئ له ولكن حدث له محنة عظيمة آخر حياته وهو في الخامسة والسبعين من عمره في عهد الخليفة الناصر بالله وهي وشاية رجل اسمه الركن عبد السلام حفيد الشيخ عبد القادر الجيلي وكان متهماً  على مذهب الفلاسفة فأفتى ابن الجوزي بحرق كتبه فأحرقت وكان ابن الجوزي يحط من شأن الشيخ عبد القادر الجيلي وأخذ ابن الجوزي مدرسته فسعى الركن عبد السلام حتى ألب محتسب بغداد عليه وكان هذا المحتسب شيعياً فقال له الركن عبد السلام ‘إن ابن الجوزي ناصبي من نسل أبي بكر’ فنفى ابن الجوزي إلى واسط فمكث فيها خمسة سنين يخدم نفسه ويطبخ لنفسه وكان لابن الجوزي ثلاثة أبناء عبد العزيز أكبرهم مات شاباً في حياة أبيه سنة 554هـ وأبو القاسم وكان فاسقاً منحرفاً عاقاً لوالديه صديقاً للركن عبد السلام الذي سعى في ابن الجوزي ولقد تسلط أبو القاسم هذا على كتب أبيه أيام المحنة فباعها بأرخص الأثمان وولده الأصغر محيي الدين يوسف وهو الذي خلص أباه من محنته لأنه ترقى في المناصب حتى شفع في أبيه فأعيد مرة أخرى لبغداد وعمره ثمانون عاماً وأذن له في الوعظ مرة أخرى فوق كعادته القديمة في نفس المكان فاجتمع له عشرات الألوف .

وفاته :

كانت وفاة ابن الجوزي ليلة الجمعة بين العشاءين 12 رمضان سنة 597 هـ وله من العمر سبع وثمانون سنة وحملت جنازته على رؤوس الناس وكان الجمع كثيراً جداً ودفن بباب حرب عند أبيه بالقرب من مقبرة الإمام أحمد وكان يوماً مشهوداً حتى قيل أنه أفطر جماعة من الناس من شدة الزحام وشدة الحر وقد أوصى أن يكتب على قبره هذا الأبيات :

يا كثير العفو يا من    …    كثرت ذنبي لديه

جاءك المذنب يرجو    …    الصفح عن جرم يديه

أنا ضيف وجزاء    …    الضيف إحسان إليه

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً