الزمان/ الخميس 14 رجب – 680 هـ
المكان / حمص – الشام
الموضوع/ الجيوش الإسلامية بقيادة المماليك تنتصر على جيوش التتار.
الأحداث/
إن أحداث تلك الموقعة الهائلة التي يوازي الانتصار فيها ما حققه المسلمون من قبل في موقعة عين جالوت الكبرى لهي من دروس الزمان الخالدة التي يجب أن يعيها هؤلاء الذين يفرقون الصف المسلم ويخترعون شعارات وأفكار من عند أنفسهم، يوالون ويعادون عليها، ويجب أن يعيها أيضًا هؤلاء الذين يحرصون على كراسيهم ومناصبهم الزائلة على حساب مصلحة الأمة، ويجب أن يعيها أيضًا هؤلاء الذين يبحثون عن طريق للانتصار؛ لأن أعداءنا قد عرفوا طريق الانتصار وطمسوه بالحجارة والعوائق حتى لا نسلكه فننتصر، وهاكم أحداث الموقعة الهائلة.
بعد أن حقق المسلمون انتصارهم الهائل على التتار، القوة الهمجية الغاشمة التي لم تُهزم من قبل، سطع نجم المماليك في سماء الأمة الإسلامية خاصة والبشرية عامة؛ لأنهم أوقفوا الانسياح الوحشي لهؤلاء الهمج الذين كان في نيتهم احتلال المعمورة كلها، وبرز من المماليك القائدان الكبيران قطز قائد النصر، وبيبرس الذي تولى الأمر بعد قطز، وطالت مدة بيبرس حوالي عشرين سنة، وطد فيها الأمور، وقمع محاولات التتار والصليبيين لاستعادة سيطرتهم على بلاد المسلمين، ووقف كالأسد الضاري أمام الأعداء والمتربصين، فلما مات سنة 676 هـ ولي مكانه ولده الملك السعيد، والذي كان صغيرًا مشغولاً باللعب واللهو، فاضطربت أحوال المسلمين، وكره الأمراء ذلك، وعملوا على خلعه، حتى تم ذلك في سنة 678 هـ، وولي مكانه أخوه الأصغر منه، واسمه سلامس ، وجعلوا أتابكه [كلمة تركية معناها مربي الملك] الأمير قلاوون الصالحي.
عندما تولي السلطان المنصور قلاوون الأمر رفض بيعته الأمير سنقر الأشقر، وكان واليًا على دمشق، وأعلن نفسه سلطانًا على الشام، وبايعه الأمراء والجند هناك، وتفرق الصف المسلم وقتها، وجرت خطوب كثيرة خاصة بعد أن انضم بعض الأمراء العرب والأعراب لخدمة سنقر الأشقر فأعد السلطان المنصور جيوشاً كبيرة وأرسلها للشام لمحاربة سنقر الأشقر واستطاعت هذه الجيوش هزيمة جيش الأشقر وتشتيته وهرب سنقر الأشقر إلى شمال الشام واستولى على حصون كثيرة ثقل فيها متاعه وأمواله وأهله واستعد لجولة أخرى .
في هذه الأثناء حدث ما لم يكن في الحسبان ولكنه لابد أن يحدث كما حدث من قبل وكما سيحدث من بعد , حدث أن خرج التتار بجيوش ضخمة من ناحية العراق إلى الشام حتى يأخذوها بعد أن سمعوا بتفرق كلمة المسلمين واقتتالهم فيما بينهم وقد أظهروا أنهم قد جاءوا لمساعدة سنقر الأشقر -وهذا ما أدى ببعض المؤرخين للقول بأن سنقر الأشقر هو الذي استدعاهم – فلما سمع الناس بقدومهم انجفلوا من بين أيديهم فإن الذكريات الأليمة المرعبة التي تركها التتار أيام هولاكو مازالت عالقة بأذهان الناس لا تنسى بسهولة .
عندما وصلت الأخبار للسلطان المنصور الموصوف بالعقل والديانة أدرك أن سر قدوم التتار ما لمسوه من تفريق كلمة المسلمين وأن الحل الوحيد أمام تلك المشكلة هو توحيد الصف المسلم , فأرسل المنصور إلى سنقر قائلاً ‘إن التتار قد أقبلوا إلى المسلمين والمصلحة أن نتفق عليهم لئلا يهلك المسلمون بيننا وبينهم’ وكان سنقر أيضاً من العقلاء فكتب للمنصور قائلاً ‘السمع والطاعة واليد واحدة على عدو المسلمين’ فلما وصلت الأخبار للتتار بتوحيد الصف المسلم كروا راجعين إلى بلادهم بناءاً على رأي ملكهم ‘أبقا بن هولاكو’ وفرح المسلمين بذلك فرحاً شديداً .
عاود التتار الكرة مرة أخرى بعد ذلك بعدة شهور بعد أن أرغم القائد العسكري منكوتمر بن هولاكو أخاه ‘أبقا’ على الهجوم على الشام رغم معارضة أبقا لذلك , فكتب السلطان قلاوون إلى قادة البلاد يستدعي الجيوش والجنود واشتد الكرب وقنت الخطباء والأئمة في الجوامع واجتمع الناس بعد خروج الجيوش المسلمة في جامع دمشق ووضعوا المصحف العثماني بين أيديهم وجعلوا يبتهلون لنصرة الإسلام ويدعون ويبكون وأقبلت التتار قليلاً قليلاً حتى وصلوا إلى حماة والجيوش المسلمة معسكرة في حمص وجيوش التتار في مائة ألف وزيادة والمسلمون في خمسين ألفاً .
وفي يوم الخميس 14رجب – 680هـ التقى الجمعان وتواجه الخصمان عند طلوع الشمس واقتتلوا قتالاً رهيباً لم يسمع بمثله من أعصار طويلة واستظهر التتار في أول النهار وكسروا ميسرة وميمنة المسلمين وفر مجموعة من عساكر المسلمين وثبت السلطان قلاوون ثباتاً عظيماً ثم إن أعيان الأمراء من الشجعان والفرسان تذامروا فيما بينهم لما رأوا ثبات السلطان وعادوا إليه وحملوا عدة حملات متتالية بشدة وصدق ولم يزالوا على ذلك التتابع حتى كسر الله عز وجل بحوله وقوته التتار وجرح قائدهم منكوتمر ثم جاء الأمير عيسى بن مهنا أمير العرب فصدم جيوش التتار من ناحية العرض فاضطربت جيوش التتار لصدمته وقتل من التتار أعداد عظيمة , ورجعت مجموعة من التتار كانت قد خرجت في آثار المنهزمين من المسلمين فوجدوا أصحابهم قد كسروا وقتلوا ووجدوا السلطان قلاوون وحده ومعه ألف فارس فقط فشدوا عليه بضراوة بغية أن يقتلوه فيثأروا لهزيمتهم ولكنه ثبت أمامهم ثباتاً عظيماً وكان السلطان من الأبطال الفرسان فاستطاع صد كتيبة التتار ومزقهم , وكان انهزام التتار قبل المغرب .
وصلت الأخبار لأهل دمشق بصورة مغايرة ذلك لأن المنهزمين عندما فروا من المعركة دخلوا دمشق وأخبروا أهلها بوقوع الهزيمة فاغتم الناس بشدة لذلك ولكن سرعان ما جاءت البشارة بالنصر المبين , أما التتار فانهزموا في أسوأ حال وأتعسه يتخطفون من كل جانب ويقتلون من كل فج حتى وصلوا إلى نهر الفرات فغرق أكثرهم ونزل إليهم أهل البيرة فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وأسروا آخرين والسرايا خلفهم يطردونهم عن البلاد حتى أراح الله منهم الناس , فلما علم ملكهم أبقا بن هولاكو بالهزيمة وكانت الحرب على غير رأيه وهواه ولكن غلبه أخوه منكوتمر لما علم أصيب بالهم والغم الشديد وساءه ما جرى جداً حتى قتله الهم والحزن في نفس السنة في ذي القعدة 680هـ .
مما ينبغي ذكره في أحداث تلك الموقعة الموقف البطولي الذي قام به أحد أبطال الإسلام وهو الأمير عز الدين أزدمر الحاج عندما اخترق صفوف التتار غير مكترثاً بكثرتها وخاطر بنفسه من أجل قتل قائد التتار منكوتمر وقلب رمحه قبل أن يصل إليه ليوهم أنه لا يريده فلما اقترب منه قلب رمحه في لمح البصر وطعن منكوتمر فأصابه إصابة بالغة ولكنه لم يقتله وتكاثر عليه جنود التتار حتى قتلوه رحمه الله وكان من قبل ذو همة عالية وديانة وطلب للشهادة فأسكنه الله عز وجل فسيح جناته .