الزمان/ 10 رمضان – 485هـ
المكان / نهاوند – العراق .
الموضوع / الباطنية تغتال الوزير الكبير نظام الملك في أول ظهور لحركة الاغتيالات .
الأحداث /
مفكرة الإسلام : لما نجح الفاطميون في إقامة دولتهم بمصر دار بخلدهم أن يمدوا سلطانهم ناحية الشرق وكانت الطريقة التي جروا عليها هي إرسال دعاة لباطلهم يتم إعدادهم خصيصاً بمصر لنشر أفكارهم خاصة في بلاد المشرق التي كانت تربة صالحة لنشر أفكار التشيع والإلحاد لجهل كثير من أبناء تلك البلاد بصحيح الدين ولكونهم عجماً لا يعرفون العربية وساعد على انتشار تلك الأفكار إلغاء نظام البريد في الدولة السلجوقية فتبلورت جماعة من أخطر الجماعات المنحرفة على مر التاريخ الإسلامي كله وفرقة لا تعد من فرق الإسلام وهي فرقة ‘الباطنية’ وسبب التسمية بذلك هو إظهارهم للإسلام وإبطانهم للكفر وهذه الفرقة كان خطرها وضررها على المسلمين أشد من خطر الكفار الأصليين وتخصصت هذه الفرقة الكافرة في اغتيال العلماء والعباد والصالحين والقواد والأبطال حتى الخلفاء ولم يدعوا أي رجل يأمل منه الخير ونصرة الإسلام إلا فتكوا به واغتالوه غيلة وغدراً وصفحتنا تلك كان أول عملية اغتياله قام بها الباطنيون ضد رجل من أعظم رجال القرن السادس الهجري .
هو الوزير الكبير أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الملقب بخواجه بزك يعني نظام الملك درة وزراء الدولة السلجوقية الذي دعم ملكهم في بدايته وكان سبب سعادتهم واتساع ملكهم طوال تسعة وعشرين سنة تولى فيها الوزارة ولقد ولد نظام الملك بطوس سنة 408هـ وكان أبوه من أصحاب محمد بن سبكتكين وكان من التجار ففرغ ولده نظام الملك لتلقي العلوم فقرأ القرآن وله إحدى عشرة سنة واهتم بالقراءات والفقه على مذهب الشافعي وسماع الحديث واللغة والنحو وكان عالي الهمة فترقى في المناصب حتى جاء اليوم الذي تغير فيه مسار حياته عندما كان يخدم أحد الأمراء فجاءه أحد الصالحين فقال له ‘إلى متى وأنت تخدم من تأكله الكلاب غداً ؟’ اخدم من تنفعك خدمته غداً’ .
فلم يفهم نظام الملك وكان له كلاب تفترس الغرباء بالليل فلم تعرفه فافترسته الكلاب وأكلته وبانت مقولة العبد الصالح لنظام الملك فنذر نفسه لخدمة الصالحين والفقراء والعباد .
كان أول ظهور لنظام الملك عندما تولى الوزارة للسلطان السلجوقي ألب أرسلان ثاني سلاطين الدولة السلجوقية واعتمد من أول يوم لوزارته سياسة تقريب الرجال الأكفاء الصالحين قال يوماً لألب أرسلان وقد خاف من عمه الذي خرج عليه يريد قتاله ‘يا أيها الملك لا تخف فإني قد استدمت لك جنداً ما بارزوا عسكراً إلا كسروه كائناً ما كان قال له ألب أرسلان ‘من هم’ ؟ قال ‘جند يدعون لك وينصرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم وهم العلماء والفقراء الصلحاء ‘ فطابت نفس ألب أرسلان واستبشر بالنصر , وإشترك مع ألب أرسلان في معركته الشهيرة ملاذكرد ضد الروم وعلى قدره عند ألب أرسلان جداً وحاول السعاة والوشاة أن يغيروا قلبه تجاه نظام الملك ولكنه لم يسمع لهم وعند موته أوصى ولده ملكشاه أن يتخذ نظام الملك وزيراً من بعده وبالفعل صار نظام الملك لملكشاه وظل على كفاءته ومقدرته العالية في إدارة البلاد .
كان نظام الملك معنياً بنشر العلم فبنى المدارس الفقهية المعروفة بالنظامية والتي تخرج منها خيرة العلماء والفقهاء وكان مجلسه عامراً بأهل العلم بحيث يقضى معهم غالب نهاره فقيل له ‘إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح’ فقال ‘هؤلاء جمال الدنيا والآخرة ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك’ وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهما وأجلسهما معه في المقعد فإذا دخل عليه أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه وجلس بين يديه فعوتب في ذلك فقال ‘إنهما إذا دخلا على قالا ‘أنت أنت يطروني ويعظموني ويقولوا في ما ليس في فأزداد بهما ما هو مركوز في نفس البشر وإذا دخل أبو على الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي فأنكسر فأرجع عن كثير من الذي أنا فيه , وكان نظام الملك قد سمع الحديث في أماكن شتى ببغداد وغيرها وكان يقول ‘إني لأعلم بأني لست أهلاً للرواية ولكني أحب أن أربط في قطار نقلة حديث رسول الله ‘ .
وكان نظام الملك يحافظ عل الصلوات في أوقاتها لا يشغله بعد الآذان شغل عنها وكان يواظب على صيام الاثنين والخميس وكان السلاجقة يحافظون على صيامها كباراً وصغاراً وله أوقاف كثيرة على الفقراء والمساكين وكان يحب الصالحين وخاصة الصوفية وكان يعظمهم تعظيماً زائداً وبنى له الربط والتكايا وكان له اهتمام خاص بأهل العلم بحيث كان يرفع من يرى منهم على النبوغ والذكاء ويكفيه أن الإمام الغزالي معدود من حسناته لأنه استقدمه لبغداد وجعله يدرس بالنظامية التي كان لا يدرس بها إلا العلماء الكبار وكان نظام الملك يحب علماء الأشعرية وهو الذي رفع قدرهم وجعل لمذهبهم دولة ذلك لأن الأشعرية نالهم أذى كثير من السلطان طغر لبك الذي كان يكره كل المذاهب المبتدعة وكان على عقيدة السلف فلما جاء نظام الملك وكان قد درس المذهب الأشعري في صغره رفع قدرهم وقدم علماءهم على غيرهم .
أما عن مقتله فكما ذكرنا فإن الباطنية قد تكونت لهم فرقة خاصة بهم في بلاد المشرق وكان أول تجمع لهم في قرية اسمها ساوة من أعمال أصبهان عندما تجمع ثمانية عشر رجلاً وصلوا العيد ففطن لهم قائد الشرطة فأخذهم وسأل عنهم فأنكروا ما هم عليه فأطلقهم ثم إنهم بدأوا ف الدعوة لكفرهم فأرادوا أن يستميلوا مؤذناً في قريتهم ولكنه رفض بشدة هذا الكفر والباطل فقتلوه خشية أن يفضحهم فرفع أمر المقتول للوزير نظام الملك ووقعت التهمة على رجل منهم اسمه يوسف يعمل نجاراً فأخذه نظام الملك وسأله عن عقيدته وأفكاره فأقر النجار بما عليه من كفر وزندقة فأمر نظام الملك بقطع يديه ورجليه ورأسه ليكون عبرة لغيره فاجتمع الباطنيون مع بعضهم البعض وقرروا اغتيال نظام الملك حتى لا يقف في طريق دعوتهم وحتى يبرهنوا للجميع أن ذراعهم طويلة تطول أي أحد مهما كانت مكانته وفي يوم 10 رمضان سنة 485هـ خرج نظام الملك مع السلطان من أصبهان قاصداً بغداد فاجتاز في طريقه بقرية بالقرب من نهاوند فقال قد قتل ههنا خلق من الصحابة زمن عمر بن الخطاب فطوبى لمن يكون عندهم فلما أفطر جاءه صبي في هيئة مستغيث به فلما اقترب منه ضربه الصبي بسكين في صدره فمات رحمه الله ثم أمسك القاتل فقتل وكان مقتله أول عملية اغتيال لهذه الفرقة المنحرفة وتلى ذلك سلسلة طويلة من الاغتيالات