صفحات منسية

مقتل الخليفة المهتدى – المجد الضائع

الزمان/ 16 رجب – 256هـ

المكان/ سامرا – العراق

الموضوع/ مقتل الخليفة العباسي المهتدى بصورة بشعة .

الأحداث/

إن أمراض الأمم تماماً مثل أمراض الجسم تبدأ أول ما تبدأ صغيرة وبسيطة في نقطة معينة ووحيدة في الجسم ثم ما تلبث مع الأيام تتحول إلى داء عضال وداهية من الدواهي وذلك إذا لم يبادر المرء بعلاجها واستئصالها وهي مازالت صغيرة .

وهذه الأمة تعرضت لصنوف من الأدواء والأمراض منها ما شفيت منه بعلاج بسيط ومنها ما احتاج لجراحة كبيرة ومنها ما لم تستطع الأمة حتى الآن الشفاء منه .

وكل ذلك لأن الأمة تغافلت عن دائها حتى أصبح مستعصياً والعجيب أن أمثال هذه الأمراض لا تحتاج إلى معالج وطبيب واجد إنما مجموعة متعاقبة من الأطباء كلهم على قلب رجل واحد وهدفهم واحد وهو إنقاذ الأمة , قصتنا تلك لأحد هؤلاء الأطباء الذين حاولوا علاج الأمة ولكنه كان بمفرده فما استطاع فعل شئ وكان مصيره مروعاً لأن الداهية كانت أكبر من جهد رجل واحد .

منذ أن قتل الخليفة العباسي المتوكل على يد ابنه المنتصر وقادة الأتراك أصبحت هذه الفعلة الشنعاء سنة ماضية في خلفاء بني العباس على يد من جلبوهم أصلاً لخدمتهم وقدموهم على العرب فبعد مقتل المتوكل شعر ولده المنتصر بعظم جرمه وأراد أن ينتقم من قتلة أبيه الأتراك فوضعوا عليه من سمه ثم قتلوا بعده المستعين ومن بعده خلعوا المعتز ثم قتلوه كل هؤلاء القتلى لأنهم لم يوافقوا الأتراك في طمعهم ورغباتهم الجامحة للمال , حتى انتهت الخلافة وكان ابن عم الخليفة السابق المعتز , فلما خلعه الأتراك أرسلوا للمهتدى ليكون الخليفة فأبى عليهم بشدة فقالوا له إن المعتز قد خلع نفسه وأشهد الناس على ذلك فرفض حتى يرى المعتز ويسمع منها فلما جاءوا به عانقه المهتدى وأجلسه معه على السرير وقال له :’يا أخي ماذا حدث؟’ فقال له المعتز :’أمر لا أطيقه ولا أقوم به ولا أصلح له’ وحاول معه المهتدى أن يثنيه عن رأيه ولكنه رفض فقال له المهتدى ‘أنا في حل من بيعتك’ فقال له المعتز ‘أنت في حل من بيعتي’ فقبل عندها المهتدى الخلافة.

كان المهتدى من صالح بني العباس ومن أحسن الخلفاء العباسيين تقريباً في مذهبه وطريقه وأكثرهم ورعاً وعبادة وتقشفاً عندما تولى الخلافة قال ‘أنا ليس لي أم أحتاج لها إلى علة عشرة آلاف دينار في كل سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها وما أريد إلا القوت لنفسي وولدي وما أريد فضلاً إلا لاخوتي فإن الضائقة قد مستهم’ وكان يحب أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز في أحواله وكان يقول :’أما يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز’ وقد سرد للصوم من حين تولى الخلافة حتى قتل , وكان يحيا حياة آحاد المسلمين , دخل عليه أحد الهاشميين في شهر رمضان فبعد أن صلوا المغرب وضع طعام الإفطار أمامه هو والخليفة المهتدى فإذا هو ملح وخل وزيت ورغيفان من الخبز فأكل الهاشمي أكل المقتصر فقال له المهتدى ‘كل واستوف عشاءك فليس ههنا غير ما ترى’ وكان لما تولى الخلافة نفي المغنيات من قصر الخلافة وأبطل الملاهي والخمور وقتل السباع والنمور وكلاب الصيد الموجودة بدار الخلافة , وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويخرج بنفسه للعامة ويؤمهم في الصلاة والخطابة , وأمر برد المظالم وأقام شعار العدل وبنى قبة لها أربعة أبواب وسماها قبة المظالم يجلس فيها بنفسه للقضاء بين الناس ويوماً استعداه رجل على ابن له فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ليحكم بينهما فقال الرجل :

حكمتوه قاضياً بينكم … أبلج مثل القمر الزاهر

لا يقبل الرشوة في حكمه … ولا يبالي غبن الخاسر

فقال المهتدى ‘أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك ولست أغتر بما قلت وأنا أني ما جلست مجلسي هذا حتى قرأت قوله عز وجل ‘ وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ‘ فبكى الحاضرون جميعاً , وكان المهتدى ممن يقومون الليل ويحيون معظمه وكان له جبة صوف وكساء يلبسهما عند قيام الليل وعندما تولى الخلافة قال إن جليسي هو المصحف لا أريد ندماء ولا جلساء , بالجملة كان أفضل خليفة عباسي ولو عاش ووجد ناصراً لتغيرت مسيرة الأمة الإسلامية تماماً .

عندما تولى المهتدى الخلافة كان على علم ويقين أن سبب البلاء الواقع على الأمة يأتي من الأتراك الذين أهانوا الخلفاء وأذلوهم وقتلوهم وأضاعوا هيبة الخلافة حتى هانت على الناس فقام الطامعون واقتطعوا أجزاءاً من جسد الأمة وفرقوها وشتتوا وحدتها , لذلك فقد عزم المهتدى على أن يبيد الأتراك ويستعمل معهم الحيلة حتى يوقع بينهم ولكنه لم يوجد من يفهمه ويقف بجواره في خطته , حيث أدرك الأتراك أنه يعمل على ذلك فاجتمعوا فيما بينهم وقد عزموا على قتله أو خلعه وشاع هذا الخبر وسط الناس وكتبوا الرقاع ورموها في الطرق والمساجد مكتوب فيها ‘يا معشر المسلمين ادعوا لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصره الله على عدوه ويكفيه مؤنة ظالمه ويتم النعمة على هذه الأمة ببقائه فإن الأتراك قد أخذوه بأنه يخلع نفسه وهو يعذب منذ أيام وصلى الله على محمد’ .

حصل تطور في الأحداث لم يسحن المهتدى استغلاله وهو أن جنود الأتراك قد غضبوا من قادتهم وشعروا أنهم يستأثرون دونهم بالأموال والإقطاعات فكتبوا للمهتدى بذلك وبذلوا له الطاعة وحلفوا له على الحماية والدفاع عنه , هذا الأمر فرح به المهتدى جداً وأرسل لهم بأنه معهم وأنه سوف يعمل على التخلص من قادة الأتراك الفاسدين وبدأ المهتدى في تنفيذ مخططه وهدفه الذي يحلم به في استعادة المجد الضائع , ولكن الأمر جاء عكس ما توقع المهتدى.

بدأ المهتدى في عزل قادة الأتراك عن بعضهم البعض واستطاع أن يحتجز عنده في دار الخلافة اثنين من كبار قادتهم وهما ‘بابكيال ومحمد بن بغا’ وهذه الفعلة أثارت الأتراك فجاءوا بقوات كبيرة بالسلاح وأحاطوا بدار الخلافة وطلبوا الإفراج عن قادتهم فاستشار المهتدى من عنده ماذا يفعل في هذا الوقت ؟ فقال له رجل من ذرية المنصور ‘يا أمير المؤمنين قد كان أبو مسلم أعظم شأناً من هذين الرجلين حتى أن أهل خراسان كان منهم من يعبده فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكنوا فلو فلت مثل ذلك سكنوا’ فأمر المهتدى بقتل بابكيال ورمى رأسه لأصحابه فأعظموا ذلك جداً وقرروا الهجوم على دار الخلافة وقتل الخليفة .

نشب قتال شديد بين جند الخليفة وجند الأتراك الذين اجتمعوا للثأر من مقتل قائدهم بابكيال وخرج الخليفة بنفسه للقتال وقد حمل على صدره مصحفاً وشهر سيفه وكان المهتدى من الشجعان حتى أنق قتل بيديه عدة أفراد من الأتراك ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان ذلك أن جند الخليفة كان بهم مجموعة من الأتراك فلما رأوا أن الخليفة على وشك الانتصار وأن وجودهم على وشك الانهيار وبدافع العصبية القومية والجنسية انحاز الأتراك الموجودون في جند الخليفة إلى إخوانهم الأتراك في جيش الثوار فكان ذلك سبباً لهزيمة جند الخليفة والمهتدى واقفاً في ساحة القتال شاهراً سيفه وهو يقول ‘يا أيها الناس انصروا خليفتكم’ ولكن أحداً من العامة لم يلتفت لندائه , فأراد المهتدى أن يختفي في أحد الدور ولكنهم أدركوه وأخذوه مهاناً إلى دار الخلافة وضربوه بشدة وتفلوا في وجهه وأجبره على أن يوقع لهم بصك بستمائة ألف دينار وأجبروه على خلع نفسه ولكنه أبى واستسلم للقتل لطلب الشهادة فقاموا بتعذيبه بصورة بشعة حيث قاموا بخلع أصابع يديه من كفيه ورجليه من كعبيه حتى ورمت كفاه وقدماه ثم قام رجل منهم بقتله بصورة مروعة حيث قام هذا الرجل بعصر خصيتيه ووطأه بقدمه حتى مات المهتدى رحمه الله وذلك في 16 رجب سنة 256 هـ قبل أن يحقق هدفه الذي قبل الخلافة أصلاً من أجله وضاعت جهوده أدراج الرياح وهو يحاول استعادة المجد الضائع .

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً