الزمان/ 2 شعبان – 255 هـ
المكان/ سامرا – العراق
الموضوع/ قادة الأتراك يقتلون الخليفة العباسي المعتز بصورة بشعة .
الأحداث/
مفكرة الإسلام : نستطيع أن نقول أن يوم مقتل الخليفة العباسي المتوكل هو التاريخ الحقيقي لسقوط الخلافة العباسية , لأن الخليفة الذي لا يملك حق الأمر والنهي والتصرف في الأمور هو في الواقع صورة خليفة وليس أصلاً فيوم أن تجرأ الأتراك الذين هم أصلاً عبيد تم جبلهم من بلاد ما وراء النهر للعمل كجنود يدافعون عن الخلافة والخليفة وامتدت أيديهم لقتل أسيادهم وولاة أمورهم الخلفاء انتهت الحياة الحقيقية للخلافة وبدأ عصر الحياة الحكمية للخلافة صورة بلا معنى وخيال بلا حقيقة , وأصبح مقتل الخليفة المتوكل سنة ماضية في بني العباس على يد عبيد أجلاف لا يعرفون قدر الخلافة ولا مقام الخليفة وصفحتنا هذه مثال على ذلك وإن كان ينطبق عليها أيضاً الجزاء من جنس العمل .
بعد وفاة الخليفة المنتصر قاتل أبيه الخليفة المتوكل اختلف قادة الأتراك فيما بينهم على من يتولى الخلافة ولكنهم اتفقوا على أن ينصبوا شخصاً ضعيفاً لم تكن في أبيه خلافة ليسهم التحكم فيه وتكون كلمتهم نافذة فوقع اختيارهم على الخليفة المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم وإن كان بعض قادة الأتراك وهو بغا الكبير قد عارض هذا الرأي قائلاً ‘نجئ بمن نهابه ونفرقه فنبقى معه وإن جئنا بمن يخافنا حسد بعضنا بعضاً فقتلنا أنفسنا’ ولكنهم لم يعملوا برأيه واتفقوا على تولية المتسعين الذي كان ضعيفاً لا حكم له معهم ولا شئ من النفوذ عليهم حتى قيل فيه :
خليفة في قفص .. بين وصيف وبغا .. يقول ما قالا له .. كما تقول الببغا
وفي عهده كثرت ثورات العلويين وخرج منهم عدة ثائرين مما زاد ضعف الخلافة وضياع هيبة الخليفة ثم وقع تماماً ما قاله وظنه بغا الكبير فوقع بين الأتراك أنفسهم شحناء وبغضاء وتآمروا على بعضهم البعض وقتلوا بعضهم البعض , وهذا الاقتتال ساعد ولي العهد السابق وهو المعتز بن المتوكل على الثورة في مدينة سامرا وحشد الجنود وأعلن المطالبة بحقه المسلوب منه عند عزله قادة الأتراك عن ولاية العهد بعد أخيه الخليفة المنتصر واستطاع المعتز بفضل تعاون الأتراك معه وبفضل مجهودات أخويه المؤيد وأبي أحمد أن يرغم المستعين على خلع نفسه من الخلافة وتولاها المعتز وجعل أخاه المؤيد ولياً للعهد بعده .
اشترك كثيرون في الفضل على المعتز حتى صار خليفة وأصبح هو مدين لكل هؤلاء وظهر قائد جديد للأتراك هو صالح بن وصيف واستطاع هذا الوافد الجديد أن يسيطر على المعتز ويجعله يقتل كل من بغا الكبير ووصيف حتى يصفو له الجو ويصير القائد الأوحد للأتراك , ووقعت فتنة بين المغاربة ‘وهم عنصر مجلوب تماماً مثل الأتراك’ والأتراك على النفوذ والسلطان وهذا زاد في حالة الاضطرابات والقلاقل في حاضرة الخلافة المهانة وتحول الخليفة المعتز لرجل شديد الخوف والحذر من كل من حوله إلى حد التخوين وركب أموراً من أجل تثبيت خلافته لا يفعلها مسلم فضلاً عن كونه خليفة فأمر بقتل الخليفة السابق المستعين رغم كتاب الأمان الذي أعطاه له عند خلعه من الخلافة ولما حملوا له رأس المستعين المقتول وكان يلعب وقتها الشطرنج مع بعض ندمائه قال بمنتهى البرود ‘ضعوه هنالك حتى أفرغ من الدست’ وكما لم يأبه المعتز من العذر بالمستعين لم يأبه بعد أخيه إبراهيم المؤيد ولا لسابقة أخيه أبي أحد الذي قاد الجيش وحاصر بغداد حتى أسقط المستعين فخلع الأول من ولاية العهد وحبسه ونفى الثاني ثم قام بقتل أخاه المؤيد خنقاً خوفاً من ميل الأتراك له وبذلك ركب المعتز في سبيل المنصب الوهمي الزائل الكثير من الرزايا والبلايا ممن أوجب له نهاية تتناسب مع أفعاله .
تنامت قوة صالح بن وصيف حتى صار الحاكم الفعلي والمتحكم في مقاليد الخلافة فأخذ في ظلم الناس ومصادرتهم من أجل جمع المال اللازم لجنوده وحاشيته ولكنه عجز رغم ظلمه الشديد عن جمع المال اللازم لسد أفواه جنوده فشعبوا عليه وذهبوا إلى الخليفة المعتز وقالوا له ‘أعطنا أرزاقنا حتى نقتل لك صالح بن وصيف’ ولم يكن عند المعتز أموال فأرسل إلى أمه ذات الثروة الطائلة يسألها أن تعطيه مالاً ليسد على هؤلاء الطامعين عنه، فأنكرت أن يكون عندها مالاً، ولما وجد الأتراك أن المعتز وأمه قد امتنعا عن إعطائهم مالاً اتحدت كلمة الأتراك والفراغنة والمغاربة على خلع المعتز، ولبسوا السلاح، وحاصروا دار المعتز، وطلبوا منه أن يخرج لهم، فاعتذر بأنه قد شرب دواء وأن به ضعفًا، فدخل علي بعض الأمراء الأتراك وضربوه وأهانوه وجروه من رجليه وأخرجوه من داره وعليه قميص مخرق ملطخ بالداء، وأقاموه في وسط دار الخلافة في حر شديد حتى جعل يراوح بين رجليه من شدة الحر، وهم يلطمونه ويقولون له: ‘اخلع نفسك من الخلافة والناس مجتمعون’ وهو يبكي من الإهانة والضرب، ثم أدخلوه غرفة ضيقة وساموه فيها سوء العذاب ثلاثة أيام، ومنعوا عنه الطعام والشراب، حتى أنه سألهم أن يشرب من ماء البحر، واضطر في النهاية لخلع نفسه وتولية المهتدي مكانه، ومع أنه قد خلع نفسه إلا أنهم لم يتركوه، بل قتلوه شر قتلة بأن أدخلوه سربًا فيه جص جير، فدسوه فيه ، فأصبح ميتًا، وليس به أثر، وذلك في 2 شعبان 255 هـ، وهكذا انتهت حياة هذا الخليفة البائس، الذي سعى كثيرًا من أجل الحصول على الخلافة وسفك الدم من أجل ذلك، فكانت نهايته تمامًا مثل بدايته دموية