يوم 10 ذي الحجة – 124هـ
المكان / مدينة واسط – العراق
الموضوع / والي العراق خالد القسري يقتل الجعد بن درهم بسبب ضلاله في العقائد .
الأحداث /
مقدمة :
أجمع أهل العلم على أن أول واجبات الإمام والوالي لأمور المسلمين هو حراسة الدين وسياسة الدنيا به , فحراسة الدين معناها صيانته وحفظه من عبث العابثين وإلحاد الملحدين والزنادقة الذين يريدون أن يحرفوا الكلام عن مواضعه , بل إن هذا الواجب هو أساس قيام أي مجتمع إسلامي سليم لأنه إذا أصبح الدين نهباً مباحاً لكل ملحد وحاقد لم يبق للناس رابطة تجمعهم ولا سياح يحوطهم والأيام التي كان فيها ولاة الأمور يضعون هذا الواجب نصب أعينهم ويقفون بالمرصاد لكل محاولات الطعن والتحريف في الدين كانت فيها الأمة ظاهرة وقوية ومتماسكة , وأما في الأيام التي يتنازل فيها الولاة عن هذا الواجب الأهم ترى فيها الأمة ضعيفة مهملة دينها غرضاً لك رامي وكلأً لكل راعي , وصفحتنا تلك صورة من صور التصدي لمحاولات العبث والتحريف في عقيدة المسلمين نرى فيها كيف كانت عزة الإسلام وقوته عندما يقف رجال للدفاع عنه ضد الملحدين والزنادقة من هو الجعد بن درهم ؟
يرجع أصل الجعد بن درهم إلى منطقة خراسان وكان من موالي بني مروان وجاء خراسان وسكن مدينة دمشق واتبنى بها داراً بجوار الكنيسة فهو في الأصل أعجمي وليس عربي الأورمة لذلك فلا عجب عندما يضل عن معاني القرآن , وقد اشتغل بدمشق في تعليم الصبيان في المكاتب وترقي به الحال حتى أصبح مؤدب مروان بن محمد بن الحكم وذلك سنة 75هـ تقريباً ومروان هذا هو مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية لذلك عرف باسم مروان الجعدي نسبة إلى مؤدبه وشيخه الجعد بن درهم .
الجعد بن درهم إمام التعطيل
قال السيوطي رحمه الله في كتاب الأوائل ‘أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد هو الجعد بن درهم مؤدب مروان الحمار آخر ملوك بني أمية فقال إن الله لا يتكلم’ .
والجعد بن درهم هذا هو أول من تكلم في صفات الله عز وجل وأنكرهما وأول من قال بخلق القرآن وأنكر أن يكون الله عز وجل قد تكلم به وأنكر أن يكون اتخذ إبراهيم خليلاً , قال شيخ الإسلام ابن تيمية ‘إن أول من حفظ عنه مقالة ‘إن الله ليس على العرش حقيقة وأن معنى استوى بمعنى استولى هو الجعد بن درهم ‘ فهو بذلك أول وإمام المعطلين .
والتعطيل لغة معناة الفراغ والخلو وإصطلاحاً معناه نفي صفات الله عز وجل التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا النفي آما يكون بالكلية مثلما ذهب الجعد بن درهم وتلميذه الجهم بن صفوان وأما بالتأويل لمعاني أخرى والتحريف في آيات الله مثل تأويل استوى باستولى وهذا النفي يجمع بين التحريف والتعطيل معاً .
وكان الجعد بن درهم يتردد على العالم الكبير ‘وهب بن منبه’ وكان من شدة احترامه لوهب كان إذا ذهب إليه يغتسل ويقول عن ذلك ‘أنه أجمع للعقل’ وكان يكثر في المسألة على وهب في باب الصفات وكان لوهب فراسة عظيمة فلما تخطئ فقال له يوماً ‘ويلك يا جعد اقصر المسألة عن ذلك إني لأظنك من الهالكين لو لم يخبرنا الله في كتابه أنه له يداً ما قلنا ذلك وأن له عيناً ما قلنا ذلك وأن له نفساً ما قلنا ذلك وأن له سمعاً ما قلنا ذلك وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك’ ولكن الجعد لم يقبل هذا الكلام وأقبل على ضلاله .
مقالة التعطيل :
ربما يتساءل البعض فيقول من أين أتى الجعد بن درهم بتلك المقولة الخبيثة في اعتقاد المسلمين ولم يكن له سلف فيها والجواب عن ذلك عند ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق الذي قال ‘قد أخذ الجعد بن درهم بدعته عن الضال الكافر بيان بن سمعان النهدي وهو من غلاة الشيعة الذين يعتقدون أن روح الله تعالى الله علواً كبيراً عما يقولون قد حلت بعلي بن أبي طالب ومنها لأولاده وقد ادعى النبوة وقد قتل بسيف الشرع سنة 119هـ , أما بيان بن سمعان فقد أخذ مقالته من اليهودي طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم والذي أخذها من خاله الشرير لبيد بن أعصم وهو الكلب اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم والذي أخذها بدوره من يهودي باليمن كان يقول إن التوراة مخلوقة وليست كتاب الله عز وجل … فمقالة التعطيل يهودية الأصل والصنع حتى نقف على أس البلاء التي تعرضت له الأمة من قديم العهود .
وقد قام الجعد بن درهم باستكمال السلسلة الشيطانية فألقي بدعته ومقالته الكفرية إلى الجهم بن صفوان الذي نقلها إلى بشر المريس إلى أحد بن أبي دواد حتى قمع تلك الفئة المتوكل العباسي .
مقتل الجعد بن درهم الخبيث :
ظل الجعد بن درهم مقيماً بدمشق حتى أظهر بدعته الخبيثة بين الناس وعرفوا حقيقة ضلاله فتطلبه بنو أمية الحكام فهرب منهم وسكن بالكوفة فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد منه بدعته وبدأ الجعد يدعو لبدعته بالكوفة وكان على العراق والياً قوياً وشديداً على المبتدعين والضالين وهو الوالي خالد بن القسري حاكم العراق القوي والذي قتل من قبل عدة زنادقة ومدعين للنبوة منهم المغيرة بن سعيد العجلي وبيان بن سمعان النهدي أستاذ الجعد بن درهم , فعندما وصلت أخبار الجعد بن درهم إلى خالد أخذه وناظره مع أهل العلم من التابعين وألزموه بطلان بدعته ولكنه أصر عليها ولم يرجع عنها واستتابه مدة ثلاثة أيام وهو مصر على بدعته وكفره .
وفي يوم 10 ذي الحجة سنة 124هـ اصطحبه خالد القسري إلى مدينته واسط وقام يخطب العيد على المنبر والجعد مكبل بقيوده أسفل المنبر ثم قال خالد للناس :’أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ‘ ثم نزل وقال له يا جعد ارجع عن مقالتك فقال الجعد :’والله لا أرجع عنها أبداً’ فأخذه خالد وذبحه في أصل المنبر وفي ذلك يقول ابن القيم في نونيته الشهيرة عن المعطلة :
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ …. قسري يوم ذبائح القربان
إذا قال إبراهيم ليس خليله ….. كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة … لله درك من أخي قربان