الجمعة 21 ربيع أول 507 هـ
المكان: دمشق ـ الشام.
الموضوع: الباطنية تقتل الأمير مودود بعد انتصاره على الفرنجة في دمشق.
الأحداث:
منذ أن أطلق باب الفاتيكان ‘أوربان الثاني’ صيحته بالحملات الصليبية على أرض الشام المسلمة خرجت أعداد هائلة من الفرنج تلبية لنداء الصليب، ونزلوا على أرض الشام، واحتلوا مدينة أنطاكية، وكانت أول مدينة احتلوها في الشام، وذلك في سنة 491هـ. ومن بعدها واصل الفرنج حملاتهم الصليبية داخل الشام، حتى استطاعوا أن يحتلوا ‘بيت المقدس’ سنة 492هـ. وقتلوا في المدينة أكثر من سبعين ألفًا، وهام باقي أهلها على وجوههم، وتوجه عدد من العلماء والفقهاء إلى بغداد لاستنفار الهمم والاستغاثة بالمسلمين، ولكن المسلمين كانوا قد وصلوا إلى حالة من الضعف لم تسمح لهم بالتحرك.
· عندما شعر الصليبيون أن المسلمين لا يتحركون لإنقاذ الشام واصلوا رحلتهم الصليبية لاحتلال باقي الشام، خاصة بعد اشتعال صراع السلطنة في البيت السلجوقي، واستولوا على العديد من بلاد الشام، وتقاطر عليهم الفرنج من سائر أوروبا لما سمعوا بتمكن إخوانهم من الشام، وحتى يحجوا إلى بيت المقدس، وحتى ينالوا أيضًا نصيبهم من الغنيمة.
· بدأت بوادر الفرنج تظهر عندما ظهر على ساحة القتال في الشام شخصيتين قويتين؛ هما الأمير طغتكين والي دمشق، والأمير مودود والي الموصل، وكان طغتكين هو المبادر بالقتال مع الفرنج، وذلك في أول رد فعل وتحرك للمسلمين في الشام سنة 499هـ؛ حيث استولى على بعض حصونهم وأوقع بهم عدة هزائم كبيرة، ثم حدث تطور في سير الأحداث لصالح الفرنج؛ حيث استولوا على طرابلس وبيروت وجبيل وبانياس وصيدا والأثارب، وكل ذلك خلال أقل من سنة، فعظم خوف المسلمين منهم، وبلغت القلوب الحناجر، وأيقنوا باستيلاء الفرنج على سائر الشام لعدم المدافع عنها، فشرع أصحاب البلاد الإسلامية بالشام في الهدنة معهم، ودفع الجزية لهم، وهذا دفع أهل حلب إلى أن يذهبوا إلى بغداد ويستغيثوا بالخليفة والسلطان، وأثاروا حمية الناس، وثارت حمية السلطان؛ خاصة بعد وصول رسالة من ملك الروم [ملك القسطنطينية] للسلطان يحثه ويستنفره على قتال الفرنج [وإنما فعل ذلك لسببين: الأول للخلاف العقائدي بين الكاثوليك والأرثوذكس، والثاني خوفًا على بلاده من أن تقع في حوزة الفرنج]، فقال أهل حلب للسلطان: ‘أما تتقي الله تعالى أن يكون ملك الروم أكثر حمية منك للإسلام حتى أنه أرسل إليك في جهاد الفرنج؟!’ عندها قرر السلطان إرسال الأمير مودود أمير الموصل لمقارعة الفرنج في الشام.
· وهنا ظهرت شخصية الأمير مودود، الذي أعد جيوشًا كبيرة من عساكر السلطان، ومعه عدة أمراء آخرين، وعلى ضخامة الجيش وقدرته على سحق الفرنج إلا أن أمراؤه ـ باستثناء الأمير مودود ـ لم يكونوا على المستوى اللازم لتلك المهمة؛ لا مهاريًا، ولا خططيًا في القتال، ولا فهمًا للمصيبة التي أصابت المسلمين؛ فاختلفوا فيما بينهم، وتفرقت كلمتهم، مما قوى أمر الفرنج عليهم، واستطاع الفرنج أن يحكموا قبضتهم على الشام، وعندها فارق الأمير مودود باقي الأمراء، واتفق مع الأمير طغتكين على التصدي للفرنج في الشام؛ خاصة بعد أن وجه الفرنج همتهم وجيوشهم لاحتلال دمشق. جاء الأمير مودود بعساكره، ودخل دمشق للدفاع عنها، وجاء الفرنج بجيوشهم الجرارة يقدمها القسوس والشمامسة، وهم يدقون النواقيس ويرفعون الصليب، واشتبك المسلمون بقيادة مودود وطغتكين مع الفرنج بقيادة بغدوين ملك بيت المقدس، وذلك في 13 محرم سنة 507هـ، واشتد القتال، وصبر الفريقان، ثم نصر الله المسلمين، فركبوا أكتاف الفرنج، يقتلون ويأسرون، حتى أُسر ملكهم، ثم أطلق ولم يُعرف، وغرق منهم الكثير في بحيرة طبرية.
· ثم جاءت الإمدادات للفرنج، ولكن المسلمين استطاعوا الصمود أمامهم، وأخذ كل البلاد التي في حوزتهم بين عكا إلى القدس، وقتلوا كل من ظفروا به من النصارى الذين كانوا يساعدون الفرنج ويحاربون معهم، وحقق المسلمون انتصارًا باهرًا على الفرنج.
· ثم عاد الأمير مودود وطغتكين إلى دمشق مرة أخرى للاستراحة وإعادة تنظيم الجيوش المسلمة، لمواصلة رحلة الكفاح ضد الفرنج، وعندها تحركت أيدي الشيطان وأعوانه من الباطنية، أكفر خلق الله الذين أخذوا على أنفسهم عهدًا بقتل كل من يعيد للمسلمين مجدهم، ولهم قائمة طويلة من ضحايا اغتيالاتهم الآثمة، وكان الدور بقدر الله عز وجل على الأمير مودود، الذي خافه الباطنية أن يأخذ حصونهم ويشتتهم في البلاد، وفي يوم الجمعة 21 ربيع أول دخل مودود وطغتكين المسجد الأموي لصلاة الجمعة، فلما فرغوا من الصلاة وخرجوا إلى صحن الجامع ويد ممدود في يد طغتكين وثب باطني على مودود فطعنه أربع طعنات، وقتل الباطني، وحمل مودود لدار طغتكين، وكان صائمًا في هذا اليوم، وكان رحمه الله كثير الصيام، فاجتهدوا به أن يفطر ليتقوى على جراحه، فلم يفعل، وقال: ‘لا لقيت الله إلا صائمًا’، فمات رحمه الله من يومه، وكان خيّرًا ديّنًا عادلاً، كثير الخير، يعتبر أول من جاهد الصليبيين وكسر شوكتهم في الشام، وذلك قبل ظهور عماد الدين زنكي بسنين طويلة.
· ومن أعجب الأمور أن بغدوين ملك الفرنج عندما وصله خبر قتل الأمير مودود أرسل رسالة لطغتكين يقول له فيها: ‘إن أمة قتلت عميدها يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها’.
المراجع:
1. الكامل 9/149.
2. البداية 12/189.
3. شذرات الذهب 2/409.
4. النجوم الزاهرة 5/192.
5. المنتظم 9/167.