الزمان/ 3 شعبان – 226هـ
المكان/ سامرا – العراق
الموضوع/ المعتصم يقتل قائده العسكري الأفشين بعد أن كشف مؤامرته المجوسية .
الأحداث/
مفكرة الإسلام : إن أعداء الإسلام لا يكفون أبداً عن عداوتهم للإسلام والمسلمين وفي سبيل تلك العداوة ركبوا الصعب والسهل ولم يألوا جهداً أو يدخروا وسعاً في الكيد بالإسلام وأهله فهي مهمة مقدسة عندهم يحسبون أنهم بذلك يحسنون صنعاً وإنما هم يقاتلون في سبيل الطاغوت الذي زين لهم الباطل , فنجد أن أعداء الإسلام تارة يواجهون الإسلام وأهله بقوة السلاح والعتاد واستعداء الناس عليهم وإن كان هذا ليس ميدانهم الفسيح لأن المسلمين في الحروب الظاهرة الواضحة والتي تتمايز فيها الرايات أقوى وأجدر على النصر , لذلك فإن ميدانهم الرحيب في عداوتهم للإسلام هو ميدان المكر والكيد والتآمر والخداع وقد حدث هذا كثيراً عبر التاريخ فأقنعة المكر والتآمر كثيرة مثالاً وجدنا أن عبد الله بن سبأ اليهودي تظاهر بالإسلام من أجل إفساد عقائد الناس وتأليبهم على ولاتهم وخداع المغفلين ليثوروا بلا هدف إلا الإفساد وهي قصة تكررت كثيراً حتى عصرنا الحالي عندما تظاهر أحد اليهود وأطلق على نفسه اسم ‘كمال ثابت’ ودخل سوريا وتقرب من السلطة الحاكمة وعمل جاسوساً لليهود سنين عديدة حتى كشفوه ثم أعدموه وقصتنا هذه صورة من صور التآمر والخداع للإسلام وأهله ولكن الله عز وجل كشف هذا الكيد وأحبط وحده هذه المؤامرة .
عندما تولى المعتصم الخلافة كان رجلاً شجاعاً بطلاً يحب الغزو والجهاد في سبيل الله وهذا الأمر جعل أمر الأبطال والشجعان يروج عنده وترتفع مكانتهم عنده بغض النظر عن أصلهم وجنسهم وتاريخهم القديم أو حتى ديانتهم السابقة طالما كان مسلمين وأبطالاً , في هذه الفترة ظهر نجم الأفشين واسمه صدر بن كاوس والأفشين هذا لقب بلاد ‘أشروسنه’ وهي فيما وراء النهر قريباً من مدينة سمرقند وكان هذا الأفشين مجوسياً قد رأى قوة الإسلام وإقبال أمره وتحطم إمبراطورية الفرس وانطفاء نار المجوس فامتلاء قلبه غلاً وحقداً وحسداً على الإسلام ولم يكن به قوة لمواجهة قوة الإسلام فقرر القيام بمؤامرة خبيثة تمثلت في ادعائه للإسلام ومحاولته التقرب من الخليفة المأمون ومن بعده المعتصم فأسلم في عهد المأمون وعمل على توثيق صلته بالمعتصم لعلمه بصيرورة الخلافة إليه وكان الأفشين بطلاً شجاعاً مشهوراً بذلك فأعجب به المعتصم وجعله من خواصه فلما تولى المعتصم جعله من جملة قواده الحربيين وبدأ الأفشين في الظهور والعمل بمخططه الخبيث وزادت شهرته عندما ولاه المعتصم حرب بابك الخرمي الإباحي وذلك سنة 220هـ فاستطاع الأفشين أن يفعل ما عجز عنه باقي قواد المعتصم حيث أنه هزم بابك وأخذه أسيراً سنة 222هـ فارتفعت منزلته جداً عند المعتصم حتى أنه أعطاه مليون درهم وألبسه وشاحين بالجوهر , ثم ارتفعت مكانته لأعلى من ذلك عندما كلفه المعتصم برد عدوان الروم على مدينة زبطرة واشترك مع المعتصم في فتح عمورية سنة 223هـ وصار الأفشين هو الذراع اليمنى للمعتصم وهذا دفعه لأن ينقل خطته إلى مرحلة أخرى وهي السعي في ولاية خراسان حتى إذا نالها انفصل بها عن جسم الخلافة مع باقي البلاد فيما وراء النهر وبدأ في تنفيذ هذه المرحلة منذ أن كان يحارب بابك الخرمي فبعد أن انتصر عليه جعل على أذربيجان رجلاً من أقربائه هو ‘مكنجور’ وكان إذا جاء الأفشين مالاً سيره مع أتباعه ورجاله إلى بلاد ‘أشروسنة’ بلده الأصلي ولكن هذا المخطط اصطدم بعقبة كؤود وهي وجود رجل قوي شديد الشكيمة في خراسان هو ‘عبد الله بن طاهر بن الحسين’ الذي كان قتل أبيه في السياسة والدهاء فاستطاع عبد الله أن يضع يده على أول خيط في المخطط بالكشف عن هذه الأموال وأخذها من رجال الأفشين فلم يستطع الأفشين أن يفعل شيئاً وهذا الخيط جعل عبد الله بن طاهر يتتبع أثر الأفشين وعمله وشعر الأفشين بمراقبة ابن طاهر له فعمل على إثارة القلاقل في خراسان ليشتغل ابن طاهر بها عنه فأوحى الأفشين إلى رجل آخر كان مجوسياً وأسلم ولكن على دخن واسمه ‘مازيار’ بأن يخرج على بن طاهر ويخلع طاعته وبالفعل أعلن مازيار العصيان على ابن طاهر وخرج عليه لمحاربته وفطن ابن طاهر إلى هذه المؤامرة وعرف أن الأفشين ورائها فظل وراء ‘مازيار’ حاصره حتى أخذه أسيراً ووعده إن أظهر حقيقة أمر الأفشين سوف يجعل المعتصم يعفو عنه فرضخ مازيار وكشف مخطط الأفشين لابن طاهر الذي رفع الأمر بدوره للمعتصم .
أحس الأفشين بكشف خطته فتحير ماذا يفعل فهداه تكفير لأن يصنع وليمة عظيمة ويدعو لها المعتصم وكبار القواد ويضع السم في الطعام ليموتوا جميعاً فصنع ذلك ولكن أحداً ما لم يأت لأن المعتصم قد اطلع على نواياه الخبيثة فحاول الأفشين الفرار عن طريق الموصل ويعبر النهر حتى يصير إلى بلاد أرمينية ثم يصير إلى بلاد الخزر ثم يدور في بلاد الترك ويرجع إلى أشروسنة ويستميل الخزر وهم كفار الترك لقتال المسلمين ولكنه فشل في ذلك أيضاً لأن في نفس الوقت الذي عزم فيه على الهرب أمر المعتصم بالقبض عليه , عقد المعتصم مجلساً لمناظرة الأفشين فيما نسبه إليه وحضر هذا المجلس ابن الزيات الوزير وابن أبي دواد القاضي وغيرهما وأحضر رجلين من أله السغد ‘بلاد بجانب أشروسنة’ فوجد أن هذين الرجلين قد ضربهما الأفشين ألف سوط فسأل عن السبب فقال الأفشين ‘هذا مؤذه وهذا إمام وثبا على بيت كان فيه أصنام أهل أشروسنة فأخرجا الأصنام وجعلاه مسجداً فضربتهما على هذا ‘ .
فقال ابن الزيات ‘ما كتاب عندك قد حليته بالذهب والجوهر فيه الكفر بالله تعالي ؟ فقال الأفشين كتاب ورثته عن آبائي ولا أعمل بما فيه’ ثم تقدم رجل آخر واسمه ‘الموبذ’ وكان مجوسياً وأسلم أيام المتوكل فاعترف على الأفشين بأنه يأكل لحم المخنوقة ويأمره بأكلها ويزعم أنها أرطب من المذبوحة وأخرج رسالة كتبها له الأفشين يقول فيها :’قد دخلت لهؤلاء القوم ويعني المسلمين في كل شئ أكرهه حتى أكلت الزيت وركبت الجمل والبغل غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط عني شعرة ‘يعني لم يحلق عانته أبداً’ ولم أختتن’ فسأله ابن أب دواد ‘هل أنت مختتن؟’ فقال الأفشين ‘لا’ فقال له ‘فما منعك من ذلك وبه تمام الإسلام والطهور من النجاسة’ فقال الأفشين ‘خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت’ فقال ابن أبي دواد ‘أنت تطعن بالرمح وتضرب بالسيف في الحرب وتجزع من قطع قلفة من جلدك’ ثم أخرج ابن الزيات له كتاباً جاء له من أهل أشروسنة يخاطبونه فيه بلغتهم ‘إلى إله الألهة من عبده فلان بن فلان’ فقال الأفشين هذه عادة قومي لأبي وجدي ولي قبل أن أدخل في الإسلام فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد على طاعتهم , ثم أخر مزيار كتاباً قد أرسله له الأفشين يقول له فيه بصراحة ووضوح ‘إنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض ‘دين المجوس’ غيري وغيرك وبابك فأما بابك فإنه لحمقه قتل نفسه ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت فأبي لحمقه إلا أن أوقعه فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري ومعي الفرسان وأهل النجدة فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة ‘العرب والمغاربة والأتراك’ والعربي بمنزلة الكلب اسحر له كسرة واضرب رأسه والمغاربة أكلة رأس والأتراك إنما هي ساعة حتى تنفذ سهامهم ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم , ثم أخرجوا من دار الأفشين صنماً من خشب عليه حلية كثيرة وجوهر وذهب كثير والعديد من كتب دين المجوس وعندها تحققت التهمة على الأفشين فأمر المعتصم بحبسه .
ظل الأفشين فترة في سجن المعتصم وهو يحاول التوسل للمعتصم ليفرج عنه ويرضى عنه ويحاول إفهام المعتصم أن هذا من كيد باقي القواد الذين غاروا منه وأرادوا التخلص منه ولكن وضوح أمره وخطته الشريرة جعلت المعتصم يأمر بقتله وصلبه وذلك في 3 شعبان 266 هـ ووثبت العامة على جثته فأحرقوها انتقاماً من كيده ومؤامرته لإعادة دين المجوسية وكفي الله عز وجل المؤمنين شر هذا المجوسي الخائن .