الزمان/ 2 ذي القعدة – 500 هـ
المكان/ قلعة أصبهان .
وهذه القلعة لم تكن قديما وإنما بناها السلطان ملكشاه وسبب بنائها أنه كان قد أتاه رجل من مقدمي الروم فأسلم وصار معه فاتفق أنه سار يوما إلى الصيد فهرب منه كلب حسن الصيد وصعد هذا الجبل فتبعه السلطان والرومي معه فوجده موضع القلعة فقال له الرومي لو أن عندنا مثل هذا الجبل لجعلنا عليه حصنا ننتفع به فأمر ببناء القلعة فلما فرغت جعل فيها دزدارا فلما انقضت أيام السلطان ملكشاه وصارت أصبهان بيد زوجته خاتون أزالت الدزدار وجعلت غيره فيها وهو إنسان ديلمي اسمه زيار فمات وصار بالقلعة غسان خوزي .
الموضوع/ مقتل ابن غطاش رأس الباطنية وطاغية الإسماعيلية
الأحداث /
مفكرة الإسلام : اتصل أحمد بن عطاش بغسان خوزي وكان الباطنية قد ألبسوه تاجا وجمعـوا لـه أموالا وقدموه عليهم مع جهله وإنما كان أبوه عبد الملك مقدما فيهم فإنه كان بليغا حسن الخط سريع البديهة عفيفا وابتلي بحب هذا المذهب فلما اتصل بالدزدار بقي معه ووثق به وقلده الأمور فلما توفي الدزدار استولى أحمد بن عطاش عليها ونال المسلمين منه ضرر عظيم من أخذ الأموال وقتل النفوس وقطع الطريق الخوف الدائم فكانوا يقولون إن قلعة يدل عليها كلب ويشير بها كافر لا بد وأن يكون خاتمة أمرها الشر.
>
بل إن أمره قد جاوز ذلك فقد جعلوا له على القرى السلطانية وأملاك الناس ضرائب يأخذونها ليكفوا عنها الأذى فتعذر انتفاع السلطان بقراه والناس بأملاكهم وتمشى له ولفرقته الأمر بالخلاف الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد ابني ملكشاه فلما صفت السلطنة لمحمد ولم يبق له منازع لم يكن عنده أمر أهم من قصد الباطنية وحربهم والانتصاف للمسلمين من جورهم وعسفهم فرأى البداية بقلعة أصبهان التي بأيديهم لأن بها أكثرهم وهي متسلطة على سرير ملكه فخرج بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان وكان قد عزم على الخروج أول رجب فساء ذلك من يتعصب للملعون وفرقته من العسكر فأرجفوا أن قلج أرسلان بن سليمان قد ورد بغداد وملكها وافتعلوا في ذلك مكاتبات ثم أظهروا أن خللا قد تجدد بخراسان فتوقف السلطان لتحقيق الأمر فلما ظهر بطلانه عزم على حربهم وصعد جبلا يقابل القلعة من غربيها ونصب له التخت في أعلاه واجتمع له من أصبهان وسوادها لحربهم الأمم العظيمة للذحول التي كانوا يطالبونهم بها وأحاطوا بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ ورتب الأمراء لقتالهم فكان يقاتلهم كل يوم أمير فضاق الأمر بهم واشتد الحصار عليهم وتعذرت عندهم الأقوات فلما اشتد الأمر عليهم كتبوا فيها ما يقول السادة الفقهاء أئمة الدين في قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن ما جاء به محمد حق وصدق وإنما يخالفون في الإمام هل يجـوز للسلطـان مهادنتهم ومواعدتهم وأن يقبل طاعتهم ويحرسهم من كل أذى _ ويعجب المرء… الآن تسألون الفقهاء !! _فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك وتوقف بعضهم فجمعوا للمناظرة ومعهم أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السمنجاني وهو من شيوخ الشافعية فقال بمحضر من الناس يجب قتالهم ولا يجوز إقرارهم بمكانهم ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين فإنهم يقال لهم أخبرونا عن إمامكم إذا أباح لكم ما حظره الشرع أو حظر عليكم ما أباحه الشرع أتقبلون أمره فإنهم يقولون نعم وحينئذ تباح دماؤهم بالإجماع وطالت المناظرة في ذلك .
ثم إن الباطنية سألوا السلطان أن يرسل إليهم من يناظرهم وعينوا أشخاص من العلماء منهم القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى شيخ الحنفية بأصبهان وقاضيها وغيره فصعدوا إليهم وناظروهم وعادوا كما صعدوا وإنما كان قصدهم التعلل والمطاولة فلج حينئذ السلطان في حصارهم فلما رأوا عين المحاققة أذعنوا إلى تسليم القلعة على أن يعطوا عوضا عنها قلعة خالنجان وهي على سبعة فراسخ من أصبهان وقالوا إنا نخاف على دمائنا وأموالنا من العامة فلا بد من مكان نحتمي به منهم فأشير على السلطان إجابتهم إلى ما طلبوا فسألوا أن يؤخرهم إلى النوروز ليرحلوا إلى خالنجان ويسلموا قلعتهم وشرطوا أن لا يسمع قول منتصح فيهم وإن قال أحد عنهم شيئا سلمه لهم وإن من أتاه منهم رده إليهم فأجابهم إليه وطلبوا أن يحمل إليهم من الإقامة ما يكفيهم يوما بيوم فأجيبوا إليه في كل هذا وقصدهم المطاولة انتظارا لفتق أو حادث يتجدد _ وتلك حال من يتربص بالمسلمين الدوائر _ ورتب لهم وزير السلطان سعد الملك ما يحمل إليهم كل يوم من الطعام والفاكهة وجميع ما يحتاجون إليه فجعلوا هم يرسلون ويباعدون من الأطعمة ما يجمعونه ليمتنعوا في قلعتهم .
ثم إنهم وضعوا من أصحابهم من يقتل أميرا كان يبالغ في قتالهم فوثبوا عليه وجرحوه وسلم منهم فحينئذ أمر السلطان بإخراب قلعة خالنجان وجدد الحصار عليهم فطلبوا أن ينزل بعضهم ويرسل السلطان معهم من يحميهم إلى أن يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان وهي لهم وينزل بعضهم ويرسل معهم من يوصلهم إلى طبس وأن يقيم البقية منهم في ضرس من القلعة إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم فينزلون حينئذ ويرسل معهم من يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة ألموت فأجيبوا إلى ذلك فنزل منهم إلى الناظر وإلى طبس وساروا وتسلم السلطان القلعة وخربها ثم إن الذين ساروا إلى قلعة الناظر وطبس وصل منهم من أخبر ابن عطاش بوصولهم فلم يسلم السن الذي بقي بيده ورأى السلطان منه الغدر والعود عن الذي قرر فأمر بالزحف إليه فزحف الناس عامة ثاني ذي القعدة وكان قد قل عنده من يمنع ويقاتل فظهر منهم صبر عظيم وشجاعة زائدة وكان قد استأمن إلى السلطان إنسان من أعيانهم فقال لهم إني أدلكم على عورة لهم فأتى بهم إلى جانب لذلك السن لهم لا يرام فقال لهم اصعدوا من هاهنا فقيل له إنهم قد ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال فقال إن الذي ترون أسلحة وكزاغندات قد جعلوها كهيئة الرجال لقلتهم عندهم وكان جميع من بقي ثمانين رجلا فزحف الناس من هناك فصعدوا منه وملكوا الموضع وقتل أكثر الباطنية واختلط جماعة منهم مع من دخل فخرجوا معهم وأما ابن عطاش فإنه أخذ أسيرا فترك أسبوعا ثم إنه أمر به فشهر في جميع البلد وسلخ جلده فتجلد حتى مات وحشي جلده تبنا وقتل ولده وحمل رأساهما إلى بغداد وألقت زوجته نفسها من رأس القلعة فهلكت وكان معها جواهر نفيسة لم يوجد مثلها فهلكت أيضا وضاعت وكانت مدة البلوى بابن عطاش اثنتي عشرة سنة .