يوم 23 ذي القعدة ـ 798 هـ
المكان / مدنية نيكوبلي ـ شمال بلغاريا
الموضوع / السلطان بايزيد الصاعقة ينتصر على التحالف الصليبي الأوربي
الأحداث /
إن الحرب الظالمة الجائرة التي تقوم بها أمريكا ضد الإسلام وأهله هي حرب دينية محضة لا شك في ذلك عند ذوي الفهوم السليمة وأن لبست أقنعة زائفة كثيرة وتدثرت بلباس الدفاع عن الحرية والديمقراطية وغير ذلك من الأكاذيب التي لا تروج إلا على المغفلين بإرادتهم، والحقيقة الجلية الواضحة والتي أثبتتها كل الأحداث التاريخية، وكل صفحات الصراع بين الإسلام والغرب أن حرب أوروبا وأمريكا على بلاد الإسلام هي حرب صليبية صريحة ويكون مثيرها دائمًا هو بابا روما كبير الصليبيين، ومن يحصر الحروب الصليبية في تلك الحملات السبع التي شنها الصليبيون على بلاد الشام من [491هـ حتى 680هـ] فقط ولا يتعداها هو قطعًا ويقينًا مخطئ والتاريخ يكذبه والأيام تخالفه وصفحاتنا تلك خير دليل على بطلان تلك الدعاوى الكاذبة .
السلطان با يزيد الصاعقة :
هو ابن السلطان مراد الأول قائد معركة سهل كوسوفا وقد استشهد مراد في تلك المعركة على يد جندي حربي غادر وتولى من بعده ابنه [بايزيد] وكان عمره ثلاثين سنة وكان شديد الحماسة في الجهاد في سبيل الله عز وجل سريع الحركة يحارب على جبهتين بالأناضول وبأوروبا، ومن سرعة تنقله وانقضاضه في القتال لُقب بالصاعقة، ونظرًا لسياسته الجهادية والتوسعية فقد عمل على التفاهم مع [الصرب] رغم كونهم ألد أعداء الإسلام وقتلة أبيه إلا أنه رأى في ذلك مصلحة للمسلمين حتى يكون الصرب حاجزًا بينه وبين مملكة [المجر] التي تعد وقتها أقوى الممالك الأوربية ورأس الحربة في الصراع بين الإسلام والصليبية، لذلك فلقد عيّن [بايزيد الأمير] اصطفان بن لازار] ملكًا على الصرب سنة 792هـ وتزوج من أخته [أوليفرا] حتى يضمن ولاء الصرب له واشترط بايزيد على اصطفان أن يدفع له جزية سنوية وتقديم عدد من المقاتلين في حالة الحروب للقتال مع العثمانيين .
حروب الأناضول :
كانت الجبهة الداخلية أو الأناضول هي أولى خطوات السياسة الحربية لبايزيد الصاعقة خاصة وأن الأناضول منقسم إلى عدة إمارات منها إمارة [منشأ] و[أيدين] و[صاروخان] و[اسفنديار] و[القرمان]، وقد استطاع بايزيد أن يقنع الأمارات الثلاثة الأولى أن تنضم للدولة العثمانية دون قتال وذلك سنة 793هـ وأخذ الباقي عن طريق القتال خاصة وأن أمر [القرمان] هو الذي بدأ بالقتال، ولقد قام أمراء تلك الإمارات بالقرار والالتجاء إلى حماية [تيمورلنك] وسيكون ذلك سببًا لمعركة سهل أنقرة بعد ذلك بعشر سنوات والتي ستكون الانهيار الأول للدولة العثمانية .
احتلال بلغاريا :
كانت قضية الاستيلاء على القسطنطينية هي الهدف الأسمى الذي يشغل بال على سلاطين العثمانيين ومن هؤلاء كان بايزيد الصاعقة الذي اتجه إلى أوروبا بعد أن فرغ من أمر الأناضول وحاصر مدينة القسطنطينية سنة 794هـ وضيق عليها، ولكنه فجأة وكعادته وجه بايزيد ضربة خاطفة سنة 797هـ إلى بلغاريا واستولى عليها وقتل ملك بلغاريا [سيسمان] وأصبحت بلغاريا من يومها ولاية عثمانية وأعلن ابن سيسمان إسلامه وانتقل للخدمة مع بايزيد الذي جعله واليًا على [صامسون].
الحملة الصليبية على العثمانيين :
كانت فتح بلغاريا هي الشرارة التي أطلقت مخاوف صليبي أوروبا من صدورهم وكان أشدهم خوفًا هو [سيجسموند] ملك المجر الذي شعر بخطر العثمانيين يقترب منه فهرع إلى البابا [بونيفاس] التاسع وركع أمامه وقبل يديه وبللهما بدموعه وطلب منه الدعوة لتكتل أوروبي لجميع الصليبيين بها ضد الدولة العثمانية وكان هذا التكتل هو الأكبر من نوعه ضد العثمانيين منذ نشأتهم فمنذ أطلق البابا [بونيفاس] التاسع صيحته الصليبية تقاطر كل صليبي أوروبا من جميع الأنحاء ومن مختلف الجنسيات [ألمانيا وفرنسا وانجلترا واسكتلندا وسويسرا ولوكسمبرج والإمارات الإيطالية] وبلغ عددهم مائة وعشرين ألف مقاتل واشترك معهم فرسان المعبد الذين خرجوا من الشام بعد الانتهاء من الحروب الصليبية .
معركة نيكويلي :
تحركت الحملة الصليبية الجرارة يقودهم [سيجسموند] ملك المجر الذي دخله الغرور من ضخامة الجيوش ووقف مزهوًا يقول [لو انقضت السماء عليائها لأمسكناها بحرابنا]، وهذا الغرور أدى بقادة الجيش الصليبي للاختلاف مع [سيجسموند] حيث يؤثر الانتظار حتى يبدأ العثمانيون الهجوم في حين قادة الجيش رأوا ضرورة البدء بالهجوم .
غلب قادة الجيش [سيجسموند] على رأيه وقروا الهجوم وانحدروا مع نهر الدانوب حتى وصلوا إلى مدية [نيكوبلي] شمال بلغاريا في منطقة البلقان وكانت بالمدينة حامية عثمانية فقام الصليبيون بحصار المدنية واشتبكوا مع حاميتها وانتصروا عليها لفارق الإمكانيات.
لم تكن كل هذه التحركات من الجانب الصليبي لتخفى على بايزيد الصاعقة الذي حشد مائة ألف من جنوده ومعه الأمير اصطفان الصربي، والكثير من جنوده للوفاء بشروط الحلف وخوفًا من سطوة بايزيد إذا هو تخلف عن نصرته، وكعادته انقض بايزيد كالصاعقة على التحالف الصليبي ولم يبال بالفارق بين الجيشين ودارت رحى حرب طاحنة، ولكن لوقع وصول الصدمة في كثير من الصليبيين من أرض المعركة بما فيهم سيجسموند نفسه الذي فر هاربًا بصحبة رئيس فرسان رودس وركبا سفينة على ساحل البحر الأسود وفرا هاربين .
أسفرت المعركة عن هزيمة ساحقة للتحالف الصليبي ووقع الكثير من قادتهم وأمرائهم أسرى في يد بايزيد وقد دفعوا أموالاً طائلة لفداء أنفسهم، ومن هؤلاء الكونت [دي نيفر] أمير لوكسمبرج الذي أقسم لبايزيد ألا يحاربه مرة أخرى فرد عليه بايزيد قائلاً [إني أحيز لك ألا تحفظ هذا اليميني فأنت في حل من الرجوع لمحاربتي إذ لا شيء أحب إليّ من محاربة جميع مسيحيي أوروبا والانتصار عليهم] ثم قال كلمته الشهيرة التي ألت العرب في قلوب كل صليبي العالم [سأفتح إيطاليا وسأطعم حصاني هذا الشعير في مذبح القديس بطرس بروما].
نتائج المعركة :
كانت لهذه المعركة آثارًا هامة ونتائج خطيرة على مستوى العالم منها :
ـ تضاؤل مكانة مملكة المجر على المستوى العالمي عامة وأوروبا خاصة وتبخر ما كان يحيط بها من هيبة ورهبة وفقدت الكثير من أملاكها لصالح بولندا وألمانيا وبعد قليل انهارت تلك المملكة الكبيرة .
ـ اتخذ بايزيد لقب [سلطان الروم] وأرسل بذلك المعنى برسائل لكبار حكام المسلمين وبشرهم بالنصر العظيم على الصليبيين واصطحب الرسل معهم إلى بلاطات حكام المسلمين مجموعة منتقاه من الأسرى المسيحيين باعتبارهم هدايا من المنتصر ودليلاً ماديًا على انتصاره، وكان اتخاذه للقب [سلطان الروم] دليلاً على وراثته لدولة السلاجقة وسيطرته على كل منطقة الأناضول لذلك فلقد أرسل إلى الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة يطلب منه أن يقر هذا اللقب حتى يتسنى له بذلك أن يسبغ صفة شرعية على دولته فتزداد هيبة في العالم الإسلامي .
ـ فتح هذا النصر الطريق أمام جموع المسلمين الراغبين في الجهاد والهجرة إلى الدولة العثمانية وبالفعل انتقال آلاف منهم إلى الأناضول وأسهمت هذه الجموع في رفع مستوى الدولة العثمانية خاصة في عهد السلطان محمد الصالح .
ـ أظهرت هذه المعركة حقيقة وخداع الكثير من الأمراء الواقعين تحت سلطانالعثمانيين ومنهم حكام شبه جزيرة المورة [اليونان حاليًا] الذين قدموا تسهيلات ومساعدات للتحالف الصليبي الأوربي فعاقبهم بايزيد عقوبة شديدة .
ـ أدت هذه المعركة لإثارة أحقاد الزعيم المغولي [تيمورلنك] الذي كان يحكي عداوة شديدة للدولة العثمانية وسلاطينيها لأن هذا الطاغية المنسوب للإسلام اسمًا فقط كان عنده جنون للعظمة والسلطة، وكان يكره أن يرى سلطانًا آخر للعالم وكان يقول [أنه يجب أن لا يوجد سوى سيد واحد على الأرض طالما أنه لا يوجد إلا إله واحد في السماء] وهذه الأحقاد دفعته لئن يكتسح الدولة العثمانية بجيش جرار مهول تعداده ثمانمائة ألف مقاتل ويدمر الدولة العثمانية سنة 804هـ .