يوم 9 ذي الحجة ـ 138 هـ
المكان / قرية المصارة ـ نهر الوادي الكبير ـ الأندلس .
الموضوع / عبد الرحمن الداخل ينتصر في معركة حاسمة بالأندلس وينشئ الدولة الأموية بها .
الأحداث /
مقدمة :
في غمرة الأحداث المتلاحقة والانكسارات المتتابعة يعلو اليأس على القلوب، ويفقد الناس الأمل والنصر والعودة من جديد وتذبل الهمم وتخور العزائم ويختفي من على الساحة الرجال، ولا صوت يعلو على صوت العويل والنحيب والشعارات المحبطة بأنه لا فائدة وأن الأمر قد انتهى، وننسى معاني القوة والرجولة فالجميع يؤثر السلامة ويرضى بالمهانة وأصبح لفظ رجل لفظ وهمي ويالي عند كثير من الناس، لا يفرقون بينه وبين لفظ ذكر، فالرجل عندما هو الذكر، والذكر عندهم هو الرجل وشتان، وحتى لا ننسى كيف كان الرجال هلمّ بنا نبحر في عباب التاريخ ننظر كيف كان الرجال، ونرى كيف استطاع رجل واحد أن يقيم دولة كبيرة وأمة كثيرة .
الأوضاع داخل الأندلس :
فتح المسلمون الأندلس سنة 92 هـ على يد قوات مشتركة من العرب والبربر، وظلت تابعة للخلافة الأموية حتى سقوطها في سنة 138 هـ، وخلال تلك الفترة الزمنية [ستة وأربعون عامًا] تعاقب على الأندلس ثلاثة وعشرون واليًا أي بمعدل سنتين لكل والي بعضهم استشهد في قتاله ضد الكفار والآخر راح ضحية الدس والأحقاد التي عصفت بالأندلس وتمثلت أهم مشال الأندلس فيما يلي :
1 ـ الخلاف الشديد بين العرب والبربر لاستئثار العرب بالمناصب القيادية .
2 ـ شيوع فكر الخوارج الذي انتقل من المشرق إلى المغرب بعد الضربات الشديدة هناك وراج هذا الفكر بين قبائل البربر مما أدى لاتساع الخلاف بين البربر والعرب، وتوج هذا الخلاف بمعركة هائلة بين الفريقين سنة 121هـ عرفت بموقعة [الأشراف] وسميت كذلك لكثرة من قتل فيها من أشراف العرب .
انتقلت عدوى الصراع القبلي من بين العرب والبربر إلى العرب أنفسهم حيث تخربوا إلى فريقين عرب الشام وعرب الحجاز وكانت بينهما تارات قديمة منذ موقعة الحرة 63هـ، ومرج راهط 64هـ، وقد أرسل الخليفة الأموي جيشًا مكونًا من أربعين ألف مقاتل أغلبهم من الشام لقمع ثورة البربر بالمغرب والأندلس، ولكن بدلاً من أن يتفق العرب مع بعضهم على البربر [والكارثة أن الجميع مسلمون] اختلاف أهل الأندلس ومعظمهم من عرب الحجاز مع الجيش القادم وخذلوهم في مواجهة البربر وهُزم الجيش هزيمة شنعاء أمام البربر في معركة وادي سبو .
شعر عرب الحجاز بالأندلس بخطورة الموقف فاتحدوا مع عرب الشام أو الجيش القادم لقمع البربر واستطاع الفريقان الانتصار على ثورة البربر، وترك البربر المسلمون أراضيهم بالأندلس وأخذوا في العودة إلى إفريقيا وخسر المسلمون بسبب اختلافهم ربع أراضي الأندلس، خسروا تلك الأراضي دون أن يخرجهم منه عدو .
شعر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بسوء الأوضاع الداخلية بالأندلس فأرسل واليًا قويًا هو أبو الخطار بن ضرار الكلبي، وذلك سنة 125هـ، وبدأ أبو الخطار بداية طيبة وساس الناس سياسة جيدة، ولكن سرعان ما عادت العصبية القبلية تطل بقرنها الخبيث حيث ظهر من أهل الشام رجل اسمه [العميل بن حاتم] وأخذ في تسلق سلم الزعامة وعلا شأنه بين أفراد قبيلته وحدث يومًا أن أبا الخطار قد أهان [العميل وشتمه وخرج من عنده وعمامته مائلة فتهكم عليه أحد الحراس وقال له [أصلح عمامتك أبا الجوش] فرد عليه العميل وقال [إن كان لي قومًا فسيقيموها]، وكان هذا تهديدًا بالحرب التي وقعت فعلاً واشتعل القتال بين الفريقين وكانت الحرب سجالاً بينهما، وما لبث أن قتل أبو الخطار، وجاء والي جديد هو يوسف الفهري من نسل عقبة بن نافع .
عبد الرحمن الداخل :
هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، قد نشأ وتربى في بيت الخلافة بالشام قد عاين المذبحة التي أقامها العباسيون لبني أمية وكان مقيمًا بالشام عند وقوع الثورة ضد الأمويين فانتقل إلى قرية صغيرة على نهر الفرات، واختفى بها فترة حتى فطن إليه العباسيون وهجموا على القرية ففر هو وأخوه الصغير وسبحا في نهر الفرات، فأمر عبد الرحمن فقد عبر النهر وأما أخوه الصغير فلم يقو على عبور النهر فعاد للشاطئ فقتله الجنود العباسيون وعبد الرحمن ينظر لأخيه الصغير وهو يقتل، وواصل عبد الرحمن فراره حتى وصل إلى المغرب، حيث قبائل مكناسة البربرية ثم هرب من عندهم إلى قبيلة نفزاوة حيث أخواله؛ لأن أمة كانت بربرية منهم .
استقر عبد الرحمن عند البربر وتزوج منهم وأرسل إلى موالي بني أمية بالشام وعلى رأسهم مولاه [بدر] وكان صاحب شخصية ذكية وهمة عالية استطاع أن يجمّع ثلاثمائة من موالي بني أمية ويدخلوا إلى الأندلس، وقت اشتداد القتال بين عرب الشام وقائدهم [العميل]، وعرب الحجاز وقائدهم [أبو الخطار]، وكان دخولهم للأندلس لغاية معينة وهدف محدد .
انضم هؤلاء الموالي لقوة من عرب الشام خرجوا لنجدة [العميل] من الحصار الذي ضربه عليه [أبو الخطار] وفي نيتهم أن يعرضوا على [العميل] أن يبايع لعبد الرحمن بن معاوية أميرًا على الأندلس لأمة من نسل بني أمية الخلفاء الشرعيين للبلاد، ولكن [العميل] رفض ذلك العرض؛ لأنه كان يطمع في الإمارة، فتوجه بدر ومجموعته مباشرة للفريق الآخر وهم عرب الحجاز أو اليمانية وعرضوا عليهم المشروع فوافقوا نكاية في عرب الشام، وأرسلوا وفدًا من عندهم لمبايعة عبد الرحمن بن معاوية عليهم وطلبوا منهم أن يدخل عليهم الأندلس، وبالفعل دخل الأندلس في شهر ربيع الأول سنة 138هـ .
معركة المصارة :
كان المسلمون بالأندلس قد سأموا من الخلاف الواقع بسبب العصبية القبلية فأقبل كثير من زعماء المسلمين على مبايعة عبد الرحمن الداخل، ودخلت كثير من المدن مثل إشبيلية وقرطبة في طاعته، وشعر والي الأندلس يوسف الفهري بخطورة الموقف، وعزم على التصدي لخطر الداخل .
كان عبد الرحمن الداخل ذكيًا فطنًا ذا دهاء ومكر شديدين شعر باستعدادات يوسف الفهري للقتال فأرسل إليه يطلب منه مهلة حتى تنقضي أيام العيد، ووافق يوسف الفهري على ذلك، وسمح لجيش عبد الرحمن الداخل أن يعبر نهر الوادي الكبير للمفاوضات، وكان ذلك يوم 9 ذي الحجة 138هـ.
ما إن عبر عبد الرحمن النهر بجيشه حتى أعلن أنه لا مفاوضة إلا على أساس المناداة بعبد الرحمن أميرًا على الأندلس؛ لأنه سليل الخلفاء من بني أمية وصاحب الحق الشرعي في حكم البلاد، فرفض يوسف الفهري الأمر، واشتعل القتال عند قرية المصارة ليلة عيد الأضحى سنة 138هـ، وفي هذا القتال برزت مواهب عبد الرحمن وسرعة خاطره فقد سمع همسًا في صفوف جنده، يقول [إن عبد الرحمن شاب حدث لم يخض الحرب، ونخاف أن تخلع الحرب فؤاده فينجو على ظهر جواده القوي السريع ويتركهم نهبًا لسيوف المضرية]، ولم يعلق عبد الرحمن على هذا الهمس بالقول بل بالفعل، فلقد نزل من جواده القوي وتخير بغلاً هزيلاً فركبه واندفع في القتال وهو على ظهر هذا البغل معلنًا في صمت أنه لن يكون أول من يدير عنان جواده فقويت نفوسهم، واستطاع عبد الرحمن وجيشه الانتصار على يوسف الفهري وجيشه .
كان هذا الانتصار إيذانًا ببدء عهد جديد وبعث جديد للدولة الأموية بالأندلس حيث بويع عبد الرحمن أميرًا على الأندلس، ثم اصطلح مع يوسف الفهري وجعله واليًا على بعض المدن بالأندلس .
وهكذا رأينا كيف أن رجلاً واحدًا استطاع أن يخوض غمار تلك الأهوال بمفرده، ويخرج من بلده شريدًا طريدًا وحيدًا، فيدخل الأندلس ويتمكن بصبره وثباته ومواهبه الفذة، وقبل ذلك توفيق الله عز وجل أن يقيم صرح واحدة من أعظم دول الإسلام مجدًا .
فلا نامت أعين رجال هذا الزمان