الزمان/ 23 رجب – 362هـ
المكان/ برقة – ليبيا – شمال أفريقيا
الموضوع/ مقتل الشاعر الفاجر أبي هانئ الأندلسي شعار المعز الفاطمي .
الأحداث/
إن لله عز وجل سنناً في كونه وخلقه لا تتبدل ولا تتغير أبداً وضعها الله عز وجل لينظم بها سير الكون والحياة وأيضا لتكون عبرة وعظة وموضع تدبر لعباده المؤمنين لذلك فإن الله عز وجل ندب عباده المؤمنين للنظر في هذه السنن والآيات فقال عز وجل ‘إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب..’ وإن الغفلة عن فهم هذه السنن وتدبرها يسبب كثيراً من الخلط والتخبط عند المسلمين خاصة في تفسير الأحداث الجارية , ومن سنن الله عز وجل التي لا تتخلف ولا تتبدل أبداً سنة ‘الجزاء من جنس العمل’ وهذا ظاهر في كتاب الله عز وجل في آيات كثيرة منها قوله تعالى’إن تنصروا الله ينصركم’ وقوله ‘فاذكروني أذكركم..’ ثم إن الله عز وجل يعلمنا من أحداث التاريخ مصداق ذلك ويضرب لنا المثال الآخر على صحة هذه السنة واضطرادها في الخلق عبر العصور وصفحتنا تلك مثال من كتاب كبير عنوانه الجزاء من جنس العمل .
هوالشاعر محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي المكنى بأبي الحسن يرجع نسبه إلى المهلب بن أبي حصرة ولد في إحدى قرى مدينة المهدية بتونس وكان شاعراً أديباً ماهراً في الأدب والبلاغة والفصاحة حافظاً لأشعار العرب دخل الأندلس وهو شاب اتصل بصاحب إشبيليه ومدحه بأشعار رائقة فحظى عنده وارتفعت مكانته وهذه المكانة دفعته ليجاهر بمكنونات قلبه الفاسد وكان ابن هانئ معتنقاً لمذهب الفلاسفة الملحدين القائلين بقدم العالم وبطلان التكاليف وكان كثير الانغماس في اللذات المحرمة بسبب فجره وإلحاده حتى اتهموا أمير إشبيليه بأنه على مذهب ابن هانئ وكان الشعب المسلم وقتها قادراً على خلع الحاكم المسلم إذا انحرف أو ضل سواء السبيل لذلك فإن الحكام المسلمين كانوا أحرص ما يكونون على تبرئة ساحتهم من أي تهمة تمس العقيدة والتوحيد وشرع الله , فأمر حاكم إشبيليه ابن هانئ بالخروج منها حتى ينسى الناس أفعاله وأشعاره الخبيثة فخرج منها خائفاً يترقب وكان عمره سبع وعشرين سنة فقط , واتجه صوب بلاد المغرب وقصد ولاة البلاد وقادتها لمديحهم طمعاً في المال والجاه فقابل جوهر الصقلي القائد الحربي الكبير فمدحه ثم قابل جعفر ويحيى ابني علي وكانا واليين على مدينة الزاب والمسيلة فمدحهما بقصيدة هائلة فبالغا في إكرامه والإحسان إليه ولكن هذا لم يرض غروره وطموحه .
ذاعت شهرته في بلاد المغرب كلها ونمت أخباره إلى المعز الفاطمي الخليفة الرابع للدولة الفاطمية العبيدية الخبيثة , وكان المعز هذا داهية من دواهي الزمان قرر نقل حاضرة خلافته من المغرب إلى مصر ليكون مناوئ للخلافة العباسية وشرع في تأسيس دولتهم على غرار الخلافة العباسية لذلك عمل المعز على وجود حاشية وبطانة له من أهل الفضل والأدب وقطعاً على رأس هؤلاء الشعراء الذين بمثابة المتحدث الرسمي للملوك والخلفاء وكان الشاعر المقدم وقتها عند العباسيين وأهل المشرق هو ‘المتنبي’ الذي يعد أشعر العرب على الإطلاق , فعمل المعز على توفير شخصية أدبية شعرية مثل المتنبي فوجد ضالته في ابن هانئ الأندلسي فقربه وجعله من حاشيته وخاصته وأسبغ عليه العطاء والأموال و نستطيع أن نقول أن المعز صياد قد رمى شباكه على الصيد ابن هانئ وليس العكس .
صار ابن هانئ من شيعة المعز المقربين يصحبه في حله وترحاله ومدحه بقصائد بالغ في مدحه حتى خرج بمدحه للكفر البواح وقضى بذلك أهل العلم وحتى أهل الشعر ونذكر طرفاً من أشعاره الكفرية ونحسب أن نقابل الكفر ليس بكافر إن شاء الله , وكان يقول للمعز الفاطمي :
ما شئت إلا ما شاءت الأقدار .. فاحكم فأنت الواحد القهار
وقال له أيضاً رأيتك من ترزقه يرزق من الورى .. دراكاً ومن تحرم من الناس يحرم
وقال له أيضاً ندعوة منتقماً عزيزاً قادراً .. غفار موبقة الذنوب
وقال له أيضاً ولطالما زاحمت تحت ركابه جبريل.
ورغم ظاهر الأشعار الكفري إلا أنه وجد له من يعتذر إليه من المتعصبين له وقالوا أنه لم يقصد بذلك الإلحاد إنما كان من اللاعبين الماجنين .
اصطحبه المعز الفاطمي معه في رحلته من المغرب إلى مصر وذلك سنة 362 هـ وفي الطريق طلب ابن هانئ من المعز العودة إلى بلاد القيروان ليأتي بأهله وعياله على أن يعود إليه مرة أخرى وظن المعز الفاطمي أن شاعره المجيد الذي طالما ألحد وفجر من أجله قد أراد التخلى عنه والعودة مرة أخرى للأندلس وهؤلاء الطواغيت يكرهون أن يتحول أحد من خدمهم لخدمة غيرهم تماماً مثلما فعل النعمان بن المنذر عندما قتل سنمار حتى لا يبني لغيره قصراً مثل قصره , فوضع عليه المعز الفاطمي من قتله في الطريق فوجد مذبوحاً وجثته ملقاة على حافة البحر في 23 رجب – 362هـ , وقيل في موته غير ذلك أنه قد أصيب بداء قاتل كان يجعله يعوي مثل الكلاب وهو على فراشه وفي مرض موته كان يبكي ويصرخ قائلاً ‘أنت الواحد القهار’ ثم أنشد قائلاً :
أبعين مفتقر إليك نظرت لي .. فأهنتني وفذقتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني .. علقت بآمالي بغير الخالق
وهكذا تكون نهاية هؤلاء الذين يؤثرون غير الله ويرجون غير الله يعذبون بمن آثروه من دون الله وتكون نهايتهم وجزاؤهم من جنس أعمالهم .