فن الإدارة

كيف تبني القيم المشتركة مع موظفيك؟

مصطفى محمد كريم

(إن حفز الموظفين لا يحدث هكذا، بل لابد من أن تكون لديك خطة لتدعم السلوكيات التي تطمح إليها)                         

بوب نيلسون

يعد اتفاق المدير وموظفيه على جملة من القيم المشتركة من أهم العوامل التي تساعد المدير في توجيه موظفيه، وتسيرهم نحو الهدف المنشود، فهي تجعل من المدير وموظفيه لحمة واحدة، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، فقد جعل من كل أصحابه على قلب رجل واحد، لهم رسالة واحدة، ويتحركون من أجل رؤية واحدة، ولما نجح النبي صلى الله عليه وسلم في بناء هذه القيم المشتركة، رأينا صحابته رضوان الله عليهم قد امتزجت رسالة الإسلام بأجسادهم، وسرت كالدماء في عروقهم.

ولنا في موقف ربعي بن عامر رضي الله عنه دليلًا دامغًا على الأثر العظيم الذي يتركه بناء القيم المشتركة عند الاتباع، حينما وقف رضي الله عنه أمام رستم قائد جيوش فارس يوم القادسية، فسأله رستم: (ما جاء بكم؟)، فرد عليه ربعي رضي الله عنه قائلًا: (الله ابتعثنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان الى عدل الاسلام)، فقد لخص رضي الله عنه رسالة الإسلام في تلك الكلمات الموجزة؛ لأنه تربى في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم والذي رباهم فيها على تلك القيم المشتركة.

 نجاح مؤسسي:

ولعل بناء هذه القيم المشتركة كانت من أهم أسباب نجاح عملاق من عمالقة شركات الكمبيوتر ألا وهي شركة “hp” Hewlett-Packard، حيث يقول مارسيلو بولارا مدير العمليات الدولية بجناج الكمبيوتر الشخصي بها فقال:

(إن القيم الجوهرية التي آمنت بها أنا ومجموعتي وشعرنا بأهميتها هي المشاركة وجماعية العمل والاتصال والمرونة والاتصالات الإنسانية، ولقد تمت مناقشة هذا النسق القيمي من خلال مجموعة كبيرة من البشر لتحديد آرائهم في هذه القيم الخمس، وفي النهاية ازداد يقيني بأنه من الأكثر أهمية وإيجابية مناقشة القيم الجوهرية التي ينبغي الإيمان بها).

خارطة الطريق:

  1. تحديد القيم:

     فإن أول واجباتك كمدير فعال من أجل بناء هذه القيم المشتركة، أن تحدد تلك القيم بشكل واضح جلي؛ فكما يقول أشرف صديق من شركة أوركل العالمية لتقنيات الحاسب الآلي: (يجب أن تؤمن بالشيء أولًا قبل محاولة جعل الآخرين يؤمنون به).

     ونعني بتحديد القيم وضوحها بشكل جلي في ذهنك، ثم تحول هذا الوضوح إلى سلوك مستمر مطرد، فمثلًا إن كانت قيمة الانضباط إحدى القيم التي تصوغ شكل إدارتك، فيجب أن تظهر تلك القيمة في كل وقت مهما كانت الظروف التي تعانيها، أو الضغوطات التي تتعرض لها.

     وإليك تجربة ليلاس براون في كيفية صياغة وتحديد قيمها القيادية، فقد شغلت منصب مدير برامج العمل والقيادة في جامعة “ساسكتشوان” وكان لها حياة عملية ناجحة كمدير ناجح لتنمية الموارد البشرية في إحدى شركات تجارة الجملة، وكان البرنامج الأول التي كانت بصدد تنفيذه هو برنامج التنمية الإدارية الخاص بالرؤساء.

     تعرضت ليلاس في بداية العمل لكثير من حملات الإحباط والتقليل من شأنها ومن قدرتها على إنجاح هذه البرامج حتى وصل الأمر إلى النيل من سمعتها، ولكن ما زادها ذلك إلا تمسكًا بهدفها وباتت كل يوم تكتب المذكرات التي تظهر قيمتها، فكانت تكتب كل يوم عند وقت النوم وتجيب ثلاثة أسئلة:

  • ما الذي فعلته وأظهر قيمي بصورة واضحة؟
  • ما الذي فعلته ولم يكن يمثل قيمة بالنسبة إليَّ؟
  • ما الذي يجب أن أفعله أكثر وأكثر لكي أعبر عن قيمي بصورة كاملة؟

     ولقد استطاعت ليلاس بهذه الطريقة أن تتغلب على محاولات التشكيك وعوائق النجاح ومعرقلات التفوق، ونجحت في نهاية الأمر في المهمة المسندة إليها.

  1. عبر عن تلك القيم:

     فلا يكفي المدير أن يحدد تلك القيم ثم يجعلها حبيسة ضلوعه، أو يكتفي فقط بأن يرى موظفيه أثر تلك القيم دون أن يجليها لهم، ويعبر لهم عنها بكل طرق التعبير، بالقول كما بالفعل، في وقت النصر والنجاح، كما في وقت الهزيمة والفشل.

     واسمع إلى أول كلمات تفوه بها خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين وقف أبو بكر رضي الله عنه على المنبر يخطب في جموع المسلمين خطبة البيعة، فقال:

     (أما بعد أيها الناس، فاني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني؛ الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف منكم قوي عندي، حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).

     إنه إيجاز من أبي بكر لتلك القيم المشتركة التي ستكون نبراس خلافته، ودرب قيادته، فكان لابد من أن تكون واضحة محددة، يفهمها كل الأتباع فهمًا صحيحًا واضحًا لا لبس فيه.

     وإليك ما قام به تود شانون مدير إدارة بشركة يونيليفر العالمية ليوضح قيمه لفريق علمه، حين كتب لفريق المبيعات بالشركة فقال:

(إلى: فريق المبيعات.

الموضوع: رحلتنا من أجل النجاح.

في غيابي أرجو منكم أن تعملوا نحو تحقيق غايتنا، اتفقوا حول نفس الأفكار والآراء والمبادئ، وأعطوا الأولوية لما يجب عمله وأنجزوا الأهم فالمهم، وتذكروا أننا في سفينة واحدة ننجح معًا ونفشل معًا، وصفقوا لزملائكم عند النجاح وشجعوهم عند الفشل، تفاعلوا دائمًا وتصرفوا بأمانة وتفانٍ واقتناع، وانظروا خلف ما ترونه وحاولوا رؤية ما يتبعه).

  1. مشاركة الأتباع في إنجاز بعض الأعمال:

     ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة الحسنة، فكما أورد ابن القيم في كتابه زاد المعاد فيما رواه عن الزهري وهو يسرد قصة بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة فيقول: (وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجرة)، وكان يقول: (هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أبر ربنا وأطهر)، وجعلوا يرتجزون ـ أي ينشدون ـ  وهم ينقلون اللبن، ويقول بعضهم في رجزه: (لئن قعدنا والرسول يعمل، لذاك منا العمل المضلل).

     فتأمل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فليست الطريقة الوحيدة لتحفيزه أصحابه هي الحديث معهم على أهمية قيمة المشاركة في بناء المسجد وهو عصب هذه الرسالة المحمدية، ولكن المشاركة كانت كفيلة بأن يتعلم الصحابة رضي الله عنهم، ونتعلم من بعدهم أهمية ذلك الأمر ومكانة تلك القيمة.

     فالمدير لا يسيِّر موظفيه نحو الهدف المنشود بخطب عصماء، أو شعارات جوفاء، أو أوامر تستلزم طاعة عمياء، بل المدير في مقدمة الركب، يتحمل في سبيل نجاح الهدف التعب والنصب.

  1. استغلال المواقف والأحداث:

     فالمدير الماهر هو الذي يستطيع أن يوظف كل المواقف والأحداث التي تمر عليه وعلى موظفيه، فيوظف النجاح في إعلاء قيمة الثقة بالنفس في نفوس موظفيه، ويستغل الإخفاق في الاستفادة من الأخطاء، ويرى في المشاكل التي تحيق به وبموظفيه فرصة لتربيتهم على معاني الصبر والتحمل، ويستنبط من ثنايا التحديات فرصة لإذكاء جذوة المثابرة والإصرار.

     ولنا في موقف النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق بينما المسلمون على ماء المريسيع وقد انقطع الحرب، تنازع رجل من الأنصار مع رجل من المهاجرين على الماء،  فنادى الأنصاري: (يا للأنصار)، ونادى المهاجري: (يا للمهاجرين)، فأقبل جمع من الحيين، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما بال دعوى الجاهلية؟!)، فأخبر بالحال فقال: (دعوها فإنها منتنة، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا كان أومظلومًا، فإن كان ظالمًا فلينهه، وإن كان مظلومًا فلينصره).

     فتأمل كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل هذا الموقف العصيب الذي كادت تسيل فيه الدماء، حوَّله صلى الله عليه وسلم إلى فرصة يتعلم فيها الصحابة ومن بعدهم قيمة مفادها أن تلك التحزب والتفرق ليست من قيم هذا الرسالة السمحة.

وماذا بعد الكلام؟

  1. اقرأ في سير المدراء المتميزين الذي أثَّروا في تاريخ شركاتهم، وأضافوا إلى تقدمها ورقيها، وتخير منها تلك القيم التي ستكون لك بمثابة النبراس تهتدي به في طريق إدارتك.
  2. اجعل لك مفكرة تطلق عليها مفكرة القيم، وسجل فيها تلك القيم.
  3. أكثر من لقاءاتك مع موظفيك، وركز دائمًا على المبادئ والأسس التي ينبني عليها أسلوبك وطريقتك في إدارتهم نحو هدفك، واحرص على أن تكون تلك اللقاءات في صورة حوارات يشاركونك فيها بإبداء آرائهم.
  4. اكتب مبادئك الإدارية، وقم بصياغتها في عبارات موجزة وشعارات، وقم بتعليقها في مكان يراه موظفوك، أو أكثر من تكرار تلك العبارات حتى تترسخ تلك القيم في أذهانهم.
  5. قم بجمع القصص والمواقف التي تؤكد على تلك القيم، واصنع منها مرجعًا يعينك على توصيل المعنى من تلك القيم في صورة قصص، فإن القصة تكون أكثر تأثيرًا، وأقرب إلى قلوب موظفيك.
  6. استخدم الأسئلة: بأن تسأل موظفيك على مدى فهمهم لتلك القيم، ومدى تمسكهم بها.

أهم المراجع:

  1. القيادة تحٍد، كوزس وبوسنر.
  2. أسرار قادة التميز، د.إبراهيم الفقي.
  3. اكتشف المدير الذي بداخلك، ديل كارنيجي.
  4. زاد المعاد، ابن القيم.
  5. البداية والنهاية، ابن كثير
هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً