الزمان / 23جمادى الآخرة – 323هـ
المكان/ بغداد – العراق – عاصمة الخلافة العباسية
الموضوع / الخليفة الراضي العباسي يصدر فرماناً يقيد الحنابلة .
الأحداث /
من المعلوم أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قطب الدين الأعظم الذي من أجله بعث الله عز وجل الرسل وقام سوق الجهاد وانقسم الناس به إلى آمر ومأمور وناهٍ ومنهي وتواترت الآيات والأحاديث بفضله ومكانته وفرضيته على المسلمين كلهم آحادهم وجماعتهم , والمعلوم أيضاً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن له درجات ومراتب يتدرج فيها حسب حالة المعروف والمنكر وأيضاً حسب حالة الواقع فيهما بالترك أو الفعل , وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معرفته هامة للجميع حتى لا تحدث منازعات وخلافات بين المسلمين , وكانت الدولة الإسلامية حريصة على مباشرة ذلك الأمر بنفسها لتحفظ مكانتها عند الناس خاصة أن الناس وعلى رأسهم العلماء والفقهاء لا يصبرون على ظهور المعاصي والمجاهرة بها ومعظم الثورات التي قامت على الدولة الأموية والعباسية قامت باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وأحياناً كانت دولة الخلافة تضعف قبضتها وهيبتها أو تقع فيها اضطراباتها سياسة تؤدي لانشغالها بذلك عن الأمر والنهي فينشط الفاسقون وأرباب المعاصي وعندها يثور المخلصون لقمعهم ويقومون بالدور الذي كان على الدولة القيام به وهذا عادة لا يعجب القادة فيحدث الصدام مع المخلصين والعوام وصفحتنا تلك شاهد على ذلك .
شهدت الخلافة العباسية اضطرابات داخلية خطيرة ابتداءً من عهد الخليفة المقتدر الذي كان أول خليفة يتولى أمور المسلمين وهو في الثالثة عشر من عمره فصار ألعوبة في يد الأتراك والجواري والخدم وأمه وقهرمانته وسادت الاضطرابات أرجاء الخلافة حتى قتل سنة 220هـ ثم تولى بعده الخليفة القاهر والذي لم يمكث سوى سنة حتى خلعوه وسملوا عينه سنة 322هـ ثم تولى الخليفة الراضي وقد تمزق جسد الأمة الإسلامية واستقل أمراء الأطراف بما تحت أيديهم وقامت عدة دول في المشرق والمغرب وتقاتل أمراء الأتراك فيما بينهم على المناصب والنفوذ وضعف الخليفة تماماً وضاعت هيبة الخلافة مما أدى ذلك لظهور المعاصي والمنكرات وانتشارها والمجاهرة بها وتعطلت وظيفة الحسبة من قبل الدولة وهذا أدى بدوره لقيام الحنابلة بدور الحسبة على الناس , وإنما قام بذلك الحنابلة لسبب معين .
منذ أن ثبت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كالطود العظيم في محنة القول بخلق القرآن وخرج منها منتصراً رغم ما تعرض له من تعذيب وسجن وارتفع شأن الحنابلة على سائر المذاهب فيها والتي لم يكن لها كبير ذكر وقتها وكان العوام مع الحنابلة في مذهبهم ,وكان كبير الحنابلة في تلك الفترة المضطربة من حياة المسلمين هو الإمام البربهاري وكان من كبار العلماء والعباد والوعاظ يعظمه الجميع عامتهم وخاصتهم وكان شديداً جداً على أهل المعاصي وأرباب البدع , بلغ منزلة جعلت الخليفة نفسه يغار منه ذلك لأن البربهاري عطس ذات يوم في مجلس وعظه فشمته الحاضرون ثم شمته من سمعهم ثم شمته أهل السوق ثم من يليهم حتى شمته أهل بغداد كلهم حتى وصل الصوت للخليفة وهو في داره فغار منه الخليفة جداً , المهم أن الحنابلة استغلوا قوتهم وكون العامة معهم وشرعوا في القيام بالحسبة بأنفسهم فصاروا يلبسون دور القادة والأمراء فإن وجدوا نبيذاً أراقوه وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلات اللهو والغناء واعترضوا على البيع والشراء ومشي الرجال مع النساء والصبيان فإذا رأوا من يمشي مع امرأة أو صبي سألوه عن هذا الذي يمشي معه من هو ؟ فإن أخبرهم وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة وشهدوا عليه وهذه الأفعال أزعجت القادة والأمراء وكبار التجار في بغداد فلجأوا للسلطة لوقف حركة الحنابلة .
أصدر قائد الشرطة في بغداد قراراً في جانبي بغداد يقرأ على الحنابلة من أصحاب البربهاري ألا يجتمع منهم اثنان ولا يناظرون في مذهبهم ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر بالبسملة في صلاة الصبح والعشاءين ومنع أي حنبلي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر , ولكن هذا لم يغير شيئاً في حركة الحنابلة بل جاء الأمر بالعكس فكثف الحنابلة من حملتهم .
دخل طرف جديد في الصراع وهم الشيعة الذين هم أعدى أعداء الحنابلة وشكوا للخليفة ما يلقون من الحنابلة وهنا تدخل الخليفة الراضي نفسه عندما أصدر فرماناً يحمل توقيعه بنفسه موجهاً للحنابلة ما يحمل في طياته ما يوضح حقيقة الصراع وأن المسألة تدخلت فيها الشيعة والقادة وأيضاً الأشاعرة وهم الأعداء الجدد للحنابلة وجاء في الفرمان ما يلي : ‘ينكر الخليفة الراضي على الحنابلة فعلهم ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره فمنه تارة أنكم تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين وهيئتكم الرذلة على هيئته وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين والشعر والقطط والصعود إلى السماء والنزول إلى الدنيا’ ثم طعنكم على خيار الأئمة ونسبتكم شيعة آل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكفر والضلال وإنكاركم زيارة قبور الأئمة وتشنيعكم على زوارها بالابتداع ثم تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوام ليس بذي شرف ولا نسب ولا سبب من رسول الله وتأمرون بزيارته ‘يقصد الإمام أحمد’ وأمير المؤمنين يقسم بالله قسماً عظيماً يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقكم ليوسعنكم ضرباً وتشريداً وقتلاً وتبديداً وليستعملن السيف في رقابكم والنار في منازلكم ومحالكم