الزمان/ 15 رجب – 14 هـ
المكان / دمشق – الشام
الموضوع/ جيوش الصحابة تفتح مدينة دمشق قلب الشام .
الأحداث/
بعد أن حقق المسلمون انتصارهم الباهر المدوي على جحافل الروم في موقعة اليرموك الخالدة تفرقت قوات الروم وهي مذهولة بما جرى لهم على أيدي المسلمين في أرجاء الشام فمجموعة توجهت لحمص وأخرى لدمشق وأخرى لفلسطين وتذامر الروم فيما بينهم وقرروا ألا يجتمعوا في جيش كبير مرة أخرى بل يتحولوا لعدة جيوش متفرقة ولكنها أيضاً كبيرة العدد ليقاوموا الزحف الإسلامي حتى إذا ضرب وكسر لهم جيش يبقى آخر لمواصلة المقاومة , ومر بنا من قبل في معركة اليوموك أن القيادة العامة لقوات التحالف الإسلامي المتحدة قد انتقلت من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح على أن يكون مشير الحرب خالد بن الوليد , فكتب أبو عبيدة لعمر بن الخطاب يسأله بأي البلاد يبدأ بعد انتصار اليرموك فأرسل إليه عمر بن الخطاب بأن يبدأ بدمشق لأنها حصن الشام وحاضرته وبيت المملكة .
اتبع أبو عبيدة بن الجراح سياسة حربية حكيمة وذكية في نفس الوقت فلقد رأى أن مدينة دمشق تمثل قلب الشام ولها طرق إتصالات وإمدادات مع باقي مدن الشام وهي في نفس الوقت مدينة حصينة قوية بها الكثير من القوات الرومية وأيضا الكثير من المؤن التي تكفي هذه المدينة للصمود طويلاً , لذلك عمد أبو عبيدة على وضع خطة من جزئين :
أ- الجزء الأول من الخطة قائم على عزل دمشق عن باقي مدن الشام بقطع طرق الإمدادات والمواصلات فأرسل جيشاً يكون بين دمشق وفلسطين وآخر بين دمشق وحمص وآخر لمنطقة ‘فحل’ وآخر يكون بمنطقة ‘برزة’ ليكون ردءاً لجيش المسلمين .
ب- الجزء الثاني من الخطة إحكام الحصار على مدينة دمشق من كل إتجاه ذلك لأن مدينة دمشق كان لها عدة أبواب فوكل بكل باب قائداً من قواد المسلمين مع جزء من الجيش يحكم الحصار من ناحيته حتى إذا استطاع أحد القادة فتح ما يليه من الأبواب تدفق معه باقي الجيوش .
وبالفعل نصب المسلمون المجانيق والدبابات على أبواب المدينة وضربوا عليها حصاراً شديداً وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع ويرسلون إلى ملكهم هرقل وهو مقيم بحمص يطلبون منه المدد ولكنه لا يستطيع أن يرسل لهم شيئاً لوجود قوات إسلامية على طريق الإمدادات .
لما رأى أهل دمشق أن أسيادهم الرومان لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً أبلسوا وفشلوا وضعفوا وقوي المسلمون عليهم وشددوا الحصار وزاد الأمر عليهم سوءاً بدخول فصل الشتاء ونفاد المؤن من عندهم ولكنهم مع ذلك صمدوا وواصلوا المقاومة والتصدي للحصار .
كان أمير الحرب هو خالد بن الوليد وكان على قلب الجيش المحاصر وكان خالد بحكم خبرته العسكرية الطويلة والفذة يعلم أن هذه المدينة الحصينة لا تسقط إلا من خلال ثغرة أو غلطة يقع فيها أهلها فكان خالد لا ينام ولا يجعل أحداً ينام مراصد لهم ليلاً ونهاراً وله عيون وقصاد يرفعون له أحوال المحاربين والحراسات صباحاً ومساءاً , وبقدر الله عز وجل حدث في ليلة من الليالي أن القائد الرومي للمدينة قد ولد له مولود فصنع طعاماً لأهل المدينة وشراباً فأكلوا وشربوا حتى سكروا وناموا عن مواقفهم وغفلوا عن حراساتهم ففطن خالد بن الوليد لذلك الأمر وكان من قبل قد جهز خطة حربية فدائية لاقتحام المدينة في موقف مشابه لذلك فلما علم بالأمر أصدر أوامره لكتيبة الفدائيين بتنفيذ الخطة فخرج خالد بن الوليد والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي ومعهم سلالم من حبال وأمر جيشه أن يكون عند الباب ثم قام هو وكتيبة الفدائيين بعبور الخندق المائي سباحة ثم نصبوا تلك السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات وصعدوا عليها فلما استوا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير فجاء المسلمون فصعدوا على السلالم وانحدر خالد وكتيبة الفدائيين على حراس الأبواب فقتلوهم ثم فتحوا الباب الشرقي للمدينة ودخل الجيش المسلم بقيادة خالد من ناحية الشرق وقتلوا كل من كان في طريقهم يحمل سلاحاً .
لما سمع أهل المدينة التكبير أصابهم الفزع الشديد ولم يدروا ما الخبر ووجدوا أن كل من يذهب لاستطلاع الخبر من ناحية الباب الشرقي لا يعود لأن جند خالد كان يقتلونه , فهرع أهل كل باب ليسألوا الأمير المسلم المحاصر لهم الصلح وقد كان المسلمون قد دعوهم إلى الصلح على المشاطرة وكان أهل المدينة يرفضون فلما خرج أهل البلد وطلبوا الصلح من أبي عبيدة أجابهم لذلك وهو لا يعلم أن خالداً قد فتحها عنوة من ناحية الشرق والتقى الصحابة في وسط المدينة واتفقوا فيما بينهم أن تكون المدينة نصفها المفتوح عنة خالصاً للمسلمين والنصف الآخر المفتوح صلحاً مناصفة بينهم وبين أهل البلد .
الجدير بالذكر أن بعض الروايات التاريخية تذكر أن عزل خالد عن قيادة الجيوش كان بعد فتح دمشق واستدلوا بذلك على أن خالداً هو الذي كتب الصلح مع أهل دمشق ولا يكتب ذلك إلا الأمير واستدلوا أيضاً برواية تذكر أن عمر بن الخطاب قد كتب كتاباً لأبي عبيدة يستنيبه على الشام على أن يكون خالداً مشيراً للحرب فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة بن الجراح كتمه عن خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة فقال له خالد ‘يرحمك الله ما منعك أن تعلمني حين جاءك ؟’ فقال أبي عبيدة كلمات يجب أن تكتب بماء الذهب قال ‘إني كرهت أن أكسر عليك حربك وما سلطان الدنيا أريد ولا للدنيا أعمل وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع وإنما نحن إخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه’