الزمان/ 11 شعبان – 6 هـ
المكان/ ماء المريسيع ـ شمال مكة إلى الساحل
الموضوع/ النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بغزو بني المصطلق لرد عدوانهم على المدينة .
الأحداث/
مفكرة الإسلام : ظلت دولة الإسلام الوليدة تعاني من كيد أعدائها بصورة مستمرة وظلت تقاوم الغزوات المتصلة والتي بلغت أشدها في غزوة الأحزاب، وهذه الغزوات المستمرة صقلت الأمة المسلمة وبلغت بها ذروة الإيمان والصمود، وانتقلت حلبة الصراع بعد ذلك لخارج المدينة للقضاء على بؤر التأليب والتآمر ضد الإسلام والمسلمين، وصفحتنا هذه صورة من صور المبادرة للقضاء على كيد العدا قبل أن يتجاوز المدى.
وصلت الأخبار للرسول صلى الله عليه وسلم أن قبيلة من قبائل بني خزاعة ـ وهي قبيلة بني المصطلق ـ وقائدها الحارث بن أبي ضرار يجمّع الناس حوله لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذ في شراء السلاح والخيل فقرر النبي صلى الله عليه وسلم المسارعة والخروج لقتالهم في أرضهم قبل استفحال أمرهم، فخرج في سبعمائة من أصحابه، وقيل أكثر من ذلك، وخرج من المدينة في 2 شعبان سنة 6 هـ، وسلك إلى طريق الساحل حتى نزل بماء يقال له المريسيع على مسيرة يوم من الساحل، ومعنى كلمة المريسيع مأخوذ من ‘رسعت عين الرجل، إذا دمعت من فساد’. وكان الحارث قد أرسل من طرفه جاسوسًا تتحسس أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة، فقبض عليه وقتل فورًا، فلما علم الحارث مقتل عينه جزع بشدة وخاف خوفًا عظيمًا وألقى الله عز وجل الرعب في قلوبهم.
اختلف المؤرخون هل هجم الرسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق حين غرة منهم أم أمهلهم وأنذرهم قبل القتال؟ فذهب البخاري ومسلم في صحيحيهما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أغار على بني المصطلق وهم غادون وأنعامهم تسقي على الماء فقتل مقاتليهم وسبي نساءهم، وذهب أهل السير والتواريخ إلى أن القتال جاء بعد الدعاء والإنذار عندما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن ينادي فيهم قولوا: ‘لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم’، فأبوا، فنشب القتال. والراجح المذكور في الصحيح أن القتال كان على حين غرة منهم لأن هذا في الصحيح، وما فيه أصح من غيره، وأيضًا هؤلاء محاربون، وكانوا يتجهزون للهجوم على المدينة فجهادهم من باب جهاد الدفع، وليس جهاد الطلب، وجهاد الدفع لا يشرع فيه الدعاء قبل القتال والله أعلم، عكس جهاد الطلب الذي شرع فيه الدعاء قبل القتال.
هجم الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة على بني المصطلق فقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وأصاب بني المصطلق الرعب الشديد حتى إن الحارث بن خرار كان يقول: ‘أتانا ما لا قبل لنا به’، وكانوا يرون من الناس والخيل والسلاح ما لا يوصف من الكثرة، وكانوا يرون رجالاً بيضًا على خيول بلق، كل ذلك رغم أن جيش المسلمين كان تعداده سبعمائة مقاتل فقط، حتى إنه من شدة رعبهم من المسلمين لم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد من المهاجرين واسمه هشام بن صبابة وذلك عن طريق الخطأ حيث قتله أحد الأنصار وهو يظن أنه من العدو، وأخذ كثير من الأسرى وكانت منهم جويرية بنت الحارث والتي صارت بعد ذلك زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت بذلك أعظم الناس بركة على قومها؛ حيث قال الناس: ‘أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم أسارى!’ فأعتقوهم جميعًا.
مقالات المنافقين:
لم يكن لهذه الغزوة كثير أحداث خلال السير إليها والقتال فيها، وإنما كانت مليئة بالأحداث ذات العبر والدلالات الهامة نعرض لها بالترتيب لأهميتها:
- أثناء السير تزاحم الناس على مورد ماء فكسع رجل من المهاجرين هو جهجاه بن مسعود رجلاً من الأنصار هو سنان بن وبر الجهني فاقتتلا فقال المهاجري [يا معشر المهاجرين وقال الأنصاري [يا معشر الأنصار] فقال عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم [ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها منتنة ].
مرت هذه الحادثة بسلام ولم تثر شيئًا عند المهاجرين والأنصار ولكن رأس النفاق أراد أن يجعلها مطية للطغي على المسلمين فقال لحضور عنده وكان فيهم زيد بن أرقم وكان صغيرًا [أوقد فعلوها قد شاورونا في بلادنا والله ما عزنا وجلابيب قرين هذه [يقصد المهاجرين] إلا لما قال القائل [سمّن كلبك يأكلك] ثم قال والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل] فقام زيد بن أرقم المؤمن فنقل الحوار للرسول صلى الله عليه وسلم وعنده عمر بن الخطاب الذي قال للرسول [مر عباد بن بشر فليضرب عنقه] فقال الرسول صلى الله عليه وسلم [فكيف إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه]، ثم أمر النبي بالرحيل من فوره فلما بلغ رأس النفاق ما جرى ذهب للرسول وأقسم له بالأيمان المغلظة ما قاله وقال الحضور [عسى أن يكون الغلام [يعني زيد بن أرقم] قد أوهم ولم يحفظ مقالته فصدقه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم جاءه أسيد بن حضير واستفسر عن سر المسيرة في وقت لم يعهدوا فيه السير فأخبره الرسول بما قال ابن أبي رأس النفاق فاعتذر أسيد للرسول قائلاً [يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم الغرز لنتوجه فإنه ليرى أن قد استلبته ملكًا] وإنما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت ليشغل الناس عن هذا الحديث، وفي الطريق نزلت سورة المنافقين تصدق أذن زيد بن أرقم وتفضح رأس النفاق ابن أبي ابن سلول، واسمع ما قاله زيد بن أرقم لتعلم مدى حبهم للرسول صلى الله عليه وسلم [وقع على من الهم والحزن عندما صدق الرسول صلى الله عليه وسلم يمين عبد الله بن أبي ما لم يقع على أحد قط فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وقد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرك أذني وضحك في وجهي [فما كان يسرني أن لي بها الخلد أو الدنيا] ثم قال له [ إن الله عز وجل قد صدقك] فعقب الناس على رأس النفاق وأخذوا عليه أفعاله وأقواله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر [كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته] فقال عمر [قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري].
نوادر التفاني في حب رسول الله :
لقد طبق الصحابة رضوان الله عليهم عقيدة الولاء والبراء بصورة نقية ناصعة لا يشوبها ميل ولا عوج فلقد جاء عبد الله بن أبي بن سلول للرسول صلى الله عليه وسلم فقال له [يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه فإن كنت فاعلاً فمر لي به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلي قاتل عبد الله بن أبي يمشي قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقلته فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم [بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا] ولكن عبد الله رضي الله عنه يصر على البرهنة على صدق حبه للنبي صلى الله عليه وسلم فيقف عند مدخل المدينة ويعترض أباه ويمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما أشهر ما جرى في هذه الغزوة هي حادثة الإفك التي نزل فيها قرآن يبرئ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأحداث الإفك طويلة ومعروفة لدى الجميع فلا داعي لإعادتها هنا حيث أن لها مواضع أخرى للحديث