الزمان/ 24 شوال – 5 هـ
المكان / المدينة المنورة – الحجاز .
الموضوع / جيوش الكفر المتحالفة تحاصر المدينة النبوية .
الأحداث /
مفكرة الإسلام : إنها قصة قديمة جديدة بعيدة قريبة عاشها المسلمون من قبل ونعيشها نحن الآن وستعيشها الأجيال المسلمة القادمة لأنها سنة ماضية في هذه الأمة تقضيها حكمة الله عز وجل وطبيعة الصراع بين الحق والباطل والعجيب أن هذه القصة تتكرر بنفس أحداثها بل تكاد تتطابق في تفصيلاتها حتى وإننا نقصها ونسردها نكاد أن نكون نسرد نفس أحداث العدوان الغاشم على أي بلد مسلم مثل فلسطين أو أفغانستان أو البوسنة أو الشيشان وما أكثر جراحات المسلمين , وصفحتنا هذه سرد للنسخة الأصلية للصراع بين الحق والباطل .
سبب الغزوة :
بعدما هدأت الأحوال قليلاً بين المسلمين وبين كفار مكة ووضعت الحرب بين الفريقين أوزارها قليلاًَ لم يكن هذا الأمر مما يعجب شياطين الإنس وأفاعي الكراهية والحسد اليهود خاصة بعد أن طردهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة فتحرك عشرون شيطاناً من شياطين يهود يقودها رأس الكفر حيي بن أخطب من أجل تأليب القبائل العربية المشركة على الرسول والمسلمين بالمدينة فتوجه هؤلاء الشياطين لقريش وغطفان والتي كانت تضم قبائل عربية كثيرة مشهورة بالبأس والشدة وبالفعل استطاع هؤلاء الملاعين أن يحشدوا الأغبياء لحرب الإسلام والعجيب أنه لم يشترك من قبائل اليهود مع الأحزاب وكانت قريش قد ساورها القلق وداخلها الشك من انتصارات المسلمين المتتالية وبدأوا يسألوا أنفسهم هل الرسول على الحق ودينه حق أماذا؟ فلما جاءهم يهود سألوهم باعتبارهم أنهم أهل كتاب فقال لهم حيي بن أخطب لعنه الله ‘بل دينكم أنتم أفضل وأحسن منه وأنتم على الحق وهم على الباطل ‘ فأنزل الله عز وجل قوله ‘ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلاً’ – النساء 51-
المجلس الاستشاري :
وصلت الأخبار للرسول صلى الله عليه وسلم فجمع أصحابه للتشاور في الأمر الخطير فالجيوش هذه المرة يبلغ تعدادها عشرة آلاف مقاتل والهجوم أتى من أماكن متفرقة من الشرق والجنوب وبعد سماع الآراء المختلفة استقر العمل برأي سلمان الفارسي وهو عمل خندق من ناحية الشمال ذلك لأن المدينة تحيط بها الجبال وبساتين النخيل من كل اتجاه عدا ناحية الشمال التي ستكون حتماً الجهة التي يهجم منها الكافرون , وكانت خطة الخندق حكيمة لم تسمع بها العرب من قبل .
شرع الرسول صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق هو ومن معه من المسلمين المخلصين فوكل لكل عشرة رجال أن يحفروا أربعين ذراعاً من الخندق ولم يكن للمهاجرين والأنصار عبيد يعملون نيابة عنهم فكانوا يعملون بأنفسهم ومنشدهم ينشد ليحفزهم على العمل فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة الشديدة من التعب والجوع والبرد قال لهم ‘اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأغفر للأنصار والمهاجرة’ وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب والصحابة يرددون معه والرسول يمد صوته بآخر الأبيات ليرفع من الروح المعنوية للصحابة.
كان الجو أثناء الحفر شديد البرودة والثمار نادرة في المدينة فعانى المسلمون من شدة الجوع حتى أن الواحد منهم كان يربط على بطنه الحجر من شدة الجوع فذهبوا يشتكون ذلك للنبي فإذا به يربط على بطنه حجرين وليس حجراً واحداً .
أعلام النبوة :
وقع أثناء الحفر الكثير من المعجزات والكرامات التي مثلت إشارات على طريق الثبات واليقين لأمة الإسلام من ذلك أن جابراً ذبح شاه وعجن عجيناً يكفي لعشرة رجال ودعا النبي وخاصة أصحابه فدعا النبي جميع أهل الخندق ليطعموا من هذا الطعام القليل وكانوا حوالي ألف مسلم فأكلوا كلهم من هذا الطعام وفضل منه لأهل البيت و الجيران , ومن ذلك أيضاً حفنة التمر التي لا تكاد تملأ الكف والتي حملتها أخت النعمان بن بشير لأبيها وخالها فأخذها النبي وبسطها على رداء ودعا أهل الخندق جميعاً فأكلوا من هذا التمر الذي كان يزداد كلما أكل منه الآكل .
وأعظم من هذه الصخرة الصماء الشديدة التي اعترضت طريق الحفر ولم تؤثر فيها المعاول ونزل لها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه وهو يربط على بطنه الحجر ولم يذق طعاماً منذ ثلاثة أيام فضربها الرسول أول ضربة ثم قال ‘ الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة’ ثم ضرب الثانية فقال ‘الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ‘ ثم ضرب الثالثة فقال ‘بسم الله , الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني’ .
وصول الأحزاب :
وصلت قوات الأحزاب المتحالفة على جزئين قريش وأحلافها في أربعة آلاف وغطفان وقبائلها في ستة آلاف وتباينت ردود الأفعال تبعاً للحالة الإيمانية عند كل فريق فالمؤمنون قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله , والضعاف والمنافقون قالوا ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً .
وعبأ الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في ثلاثة آلاف مسلم ووقفوا أمام الخندق وجعلوا جبل سلع في ظهورهم ولما رأى المشركون الخندق بهتوا حيث أنهم لم يروا مثله قبل وأخذوا يدوروا حوله لعلهم يدخلوا نقطة ضيقة تسمح بالعبور ولكن المسلمين ردوهم بالسهام .
استطاع بعض شجعان قريش عبور الخندق منهم عمرو بن عبد ود وكان أشجع فرسان قريش وضرار بن الخطاب وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم وردوهم خائبين واستطاع علي بن أبي طالب أن يقتل عمرو بن عبد ود في مبارزة رائعة جعلت الباقون يفرون وهم منهزمين عن قتيلهم عمر بن عبد ود .
غدر بني قريظة :
كان بنو قريظة هم من بقي من يهود المدينة بعد أن أجلى الرسول صلى الله عليه وسلم بني قينقاع وبني النضير من المدينة لغدرهم وخيانتهم , وكانت ديار بني قريظة جنوب المدينة وكانوا مازالوا على عهدهم مع النبي وعندما رأى المشركون الخندق أسقط في أيديهم ولم تجد محاولات العبور والاختراق , وعندها تحركت أفاعي الشر والتآمر عندما خرج حيي بن أخطب كبير مجرمي اليهود وذهب إلى ديار بني قريظة واجتمع مع كعب بن أسد سيدهم ومازال به يعده ويمنيه حتى ينقض عهد النبي وكعب متردد حتى وافق في النهاية ونقض العهد بل اشترك بالفعل في العمليات الحربية وأرسل مؤن وطعاماً للأحزاب .
بطولة النساء :
لم تكن هذه الغزوة لتمر هكذا دونما يكون للنساء فيها دور فعال في مجرى الأحداث فلقد خرج أحد اليهود الخونة ليتجسس على حصون المسلمين الموجود بها النساء والذرية فطاف هذا اليهودي بحصن فارغ وكان فيه النساء ومعهم حسان بن ثابت وكان مريضاً ذلك اليوم فقالت صفية عمة النبي لحسان ‘إن هذا اليهودي كما تري يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود فأنزل إليه فأقتله’ فقال حسان وكان مريضاً ‘والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا’ فقامت صفية بشد وسطها بالرداء ثم أخذت عموداً ونزلت لهذا اليهودي وضربته على رأسه فقتلته واستطاعت بذلك حفظ نساء المسلمين من الوقوع أسرى وسبايا في يد اليهود .
الزلزال الشديد :
وصلت أخبار غدر بني قريظة للرسول صلى الله عليه وسلم فأرسل بعض الصحابة لاستطلاع الخبر على إن كان الخبر صحيحاً لا يجهروا به بل يلحنوا لحناً يعرفه الرسول حتى لا يفتد في عضد المسلمين وإن كان كاذباً يجهروا به أمام الجميع ليزدادوا ثقة وقوة أمام عدوهم فلما تيقن الصحابة من غدر اليهود عادوا وقال للنبي ‘عضل وقارة’ أي أنهم على غد.
رغم كتمان خبر الغدر إلا أنه انتشر بين الناس وأصبح الخطب عظيماً على المسلمين واشتد البلاء عليهم ونجم النفاق وظهر الضعف الإنساني وبان القوي من الضعيف والمؤمن من المنافق والصادق من الكاذب وعبر الله عز وجل عن ذلك الموقف بأبلغ كلام رباني من أول قوله عز وجل ‘وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر …. حتى قوله عز وجل وكان الله على كل شئ قديراً’ – الأحزاب من 12 حتى 27 .
لما جاء هذا الخبر النبي صلى الله عليه وسلم تقنع بثوبه طويلاً ثم نهض يقول ‘الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره’.
استشار الرسول صلى الله عليه وسلم السعدين ‘سعد بن معاذ – سعد بن عبادة’ في أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة ليرجعوا عن نصرة قريش ويكون الأمر بعده سهلاً على المسلمين الخبراء في حرب قريش ولكن السعدين يرفضان في عزة المسلم وكبرياء المؤمن وكرامة الموحد أن يهادنا الكافرين بل هو جهاد حتى الموت أو النصر وصوب الرسول صلى الله عليه وسلم رأيهما وقال لهما ‘إنما هو شئ أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة’.
نصر من حيث لا يدرى :
من حيث لا يدري أحد ومن حيث لا يحتسب الكافرون جاء نصر الله المتمثل في إسلام رجل واحد اسمه نعيم بن مسعود الأشجعي وأشجع قبيلة من غطفان , وجاء نعيم للرسول وقال له ‘يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني ما شئت’ فقال رسول الله ‘إنما أن رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة’ فانطلق نعيم من فوره فدخل على يهود بني قريظة وكان حليفاً لهم في الجاهلية وخذلهم وخدعهم وأوقعهم في الأحزاب ثم دخل نعيم للأحزاب وكان أصلاً من غطفان فخذلهم وخدعهم وأوقعهم في اليهود واستطاع أن يفعل بمفرده ما يعجز عنه الجمع الكبير .
جمع الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته وقام يدعو على المشركين فقال ‘اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم’ فسمع الله دعائهم وأرسل الملائكة على معسكر الكافرين وسلط عليهم الريح الشديدة تكفأ قدورهم وتقلب خيامهم وتطفئ نارهم والملائكة تلقي الرعب في قلوب الكافرين وفي هذه الليلة الباردة القارصة أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ليستطلع الأخبار على ألا يثير الناس بأي فعل فدخل حذيفة وسنحت له فرصة لقتل أبي سفيان ولكنه انصاع لأوامر النبي وعلم عزم الأحزاب على الرحيل فعاد مسرعاً للنبي وأخبره بالأمر.
جمع أبو سفيان الناس ورحل بهم وذهبت الأحزاب بجمعهم بعد أن حشدوا كل الطاقات والقبائل المعادية ولكن دون جدوى بعدما مكثوا شهراً كاملاً يحاصرون المسلمين ويؤلبون عليهم يهود بني قريظة ولكن دون جدوى وبلا نتيجة وانتهت هذه المعركة التي لم يقتل فيها من المسلمين سوى أقل من عشرة في الرمي المتبادل بين الفريقين , وكانت هذه المعركة اختباراً كبيراً لأمة الإسلام ليرى الله فيها درجات الإيمان والثبات والصبر والاتباع واليقين بنصر الله ولتكون فرناً كبيراً صهر فيه المسلمون فخرجوا منه ذهباً نقياً وليحترق فيه المنافقون والشاكون في أمر دينهم ولتثبت حقيقة هامة أثبتها الزمان بعد ذلك أن هذه الأمة مهما حاول معتد أن يستأصلها فلن يستطيع ولا إلى آخر الزمان فهذه الأمة تمرض نعم ولكن لا تموت والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون