الزمان / الخميس 23 جمادى الأولى – 1293هـ
المكان / الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية
الموضوع / مقتل المتآمرين على السلطان عبد العزيز على يد أحد أتباعه
الأحداث /
هذه الصفحة هي حلقة جديدة قديمة من حلقات كتاب كبير وقاعدة كونية لا تتخلف أبداً ولو بعد حين اسمها الجزاء من جنس العمل فمهما فعل الظالمون ومهما استتروا بجرمهم فإن الأيام تطلبهم والعاقبة تنتظرهم هذه العبر والدروس لو أيقنها الناس وعرفوها حقاً ما أقدم ظالم ولا طاغية على أفعاله ولكن المولى عز وجل إذا أراد شيئاً وشاءه هيأ أسبابه .
أحداث تلك الصفحة ترجع إلى قبل ذلك بفترة عندما رأى الخليفة عبد العزيز أن الدولة العثمانية قد تدهورت كثيراً بسبب الحروب الخاسرة التي دخلتها مع الصليبيين والمعاهدات المجحفة التي جاءت أثر هذه المعارك الخاسرة مما زاد من نفوذ الأعداء الصليبيين داخل الدولة ونشر الفتن بين مسيحي الدولة العثمانية وأثار القلاقل بالتدخل المستمر من قبل الأوروبيين في شئون الدولة الداخلية ومثال ذلك ما حدث في حرب القرم مع روسيا عندما أغرت باقي الدول الصليبية العثمانيين بدخول الحرب لما رأوا من تزايد النفوذ الروسي داخل الدولة العثمانية فأشعلوا نار الحرب ودخلت إنكلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والسويد لصالح العثمانيين ولكن ليس بالجدية الكافية ولا يخفى البعد العقائدي في هذا الصراع فإن الكنيسة الأرثوذكسية تعادي الكنيسة الغربية بفرعيها البروتستانتي والكاثوليكي .
وانتهت الحرب بلا مكاسب وتبع هذه الحرب معاهدة كما هو معتاد مجحفة على العثمانيين كل ما سبق دفع الخليفة عبد العزيز في التفكير في ضرب الدول الصليبية بعضها ببعض ليستفاد المسلمون من تناحرهم فعمد على تحسين علاقاته مع روسيا وشاعت الأخبار بأنه سوف يعقد اتفاقية عسكرية هجومية دفاعية مشتركة يقتسم فيها البلاد التي يغلب عليها المسلمون تكون للعثمانيين والبلاد التي يقطنها النصارى تكون لروسيا مع حفظ حقوق المسلمين, وعندما تعلم إنجلترا وفرنسا ذلك تعمل على تحريك عملائها داخل الدولة لإثارة القلاقل والاضطرابات ونشر الإشاعات الباطلة عن السلطان عبد العزيز حتى استوسق مجموعة من الوزراء على خلع السلطان تلبية لأهداف إنجلترا وفرنسا في ذلك واستعان هؤلاء الوزراء بفتوى مكتوبة من أحد العلماء الذين أفهمهم الوزراء المتآمرون أن السلطان سوف يتحالف مع الكافرين فأفتى شيخ الإسلام حسن خير الله أفندي بجواز عزله لذلك وهذا يبين لنا ضرورة توضيح حقيقة الأمر للعلماء وأبعاد الأمر المطلوب الإفتاء فيه لأن العلماء عادة لا يحسنون معرفة دخائل السياسة وأبعادها وهذا نظير ما حدث عندما طلب الاستعانة بالكفار في حرب الخليج فتدبر ذلك ! وبالفعل صدر الأمر والفتوى بعزل السلطان عبد العزيز في 6جمادى الأولى 1293هـ .
بعد عزل السلطان عبد العزيز خاف المتآمرون من عودة عبد العزيز للحكم لحب الناس له وعدم كفاءة من خلفه في السلطة فعمد المتآمرون على قتل عبد العزيز وأشاعوا بين الناس أنه قد انتحر لحدوث خلل في رأسه بسبب خروجه من السلطة والراجح والله أعلم أنهم قتلوه وذكر المؤرخون على ذلك شواهد لا مجال لسردها في هذا المقام و والخلاصة أنهم خلعوه ثم قتلوه ولابد أن نعلم هنا حقيقة هامة جداً أن قتل الخلفاء دائماً يكون بداية النهاية للدولة فدولة الراشدين ضعفت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه ودولة الأمويين انهارت بعد مقتل الوليد بن يزيد والدولة العباسية دخلت مرحلة الضعف الطويلة بعد مقتل الخليفة المتوكل على الله وهكذا فهي سنة ماضية في الدول متى قتلوا خليفتهم فهذا نذير النهاية القادمة .
من هذه النقطة تبدأ صفحتنا حيث تظهر شخصية مجهولة من قبل على ساحة الأحداث وهو حسن بك إسماعيل وهو أحد أعيان الجراكسة المهاجرين من بلادهم بسبب الاستعمار الروسي وكان حسن بك هو أستاذ يوسف عز الدين بن السلطان عبد العزيز ومربيه الخاص وقد هاله ما جرى للسلطان المقتول وأسرته وحزن جداً بسبب ذلك وشعر حسين عوني باشا وزير الحربية بذلك فأراد إبعاده عن الأستانة فنقله إلى بغداد ولكن حسن بك رفض فتم سجنه ثم أطلق سراحه شريطة أن يغادر الأستانة خلال يومين وفي السجن قرر حسن بك الإنتقام من قتلة السلطان عبد العزيز وبالفعل مساء يوم الخميس 23جمادى الأولى سنة 1293هـ تسلح بأربعة مسدسات وخنجر وتوجه لمنزل حسين عوني وزير الحربية وكبير المتآمرين فلم يجده وقيل له أنه في منزل أحمد مدحت باشا رئيس النواب فتوجه فورا لمنزل أحمد مدحت فسأل عن حسين عوني اجتماع مع باقي الوزراء فقال للخادم أنني مندوب برسالة هامة من الحربية من جهة الصدر الأعظم فسمح له الخادم بالدخول فما أن دخل على حسين عوني حتى أطلق عليه رصاصتين ثم أجهز عليه بالخنجر فحاول محمد راشد وزير الخارجية الفرار فأطلق عليه رصاصة قاتلة في عنقه فحاول أحمد قيصرلي وزير البحرية الإمساك بحسن ولكن حسن أصابه بالخنجر فهرب باقي الوزراء في الحريم وأغلقوا على أنفسهم الباب وحاول حسن فتحه فلم يستطع وأطلق النار على الباب ولكنه لم يصب أحداً ثم أخذ حسن في تحطيم الثريا حتى تنطفئ الكهرباء وحاول إشعال النار في البيت ليتمكن من الهرب ولكن قوة عسكرية جاءت لتمسكه فاشتبك معها وقتل منها عدة أشخاص ولكن أمسكوه في النهاية .
عقدت محاكمة لحسن إسماعيل لم يبد فيها حسن أي ندم على قتله لحسين عوني ومحمد راشد بل كان ندمه على أنه لم يقتل باقي المتآمرين على السلطان عبد العزيز وتم صدور الحكم بإعدامه وعلقت جثته في ميدان بايزيد لمدة ثلاثة أيام ومعها بطاقة توضح سبب إعدامه وهكذا سلط الله عز وجل على الظالمين من يقتص منهم ثم أخذه لما كان منه من سفك دم محرم آخر بغير ذنب لأن حسن هذا قتل من الخدم عدة أفراد وصدق الحكم عندما قال [وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون] .