يوم 28 صفر 1242هـ
المكان: مدينة كرمان ـ أنقرة ـ تركيا.
الموضوع: توقيع معاهدة ‘آق كرمان’ كنجاح للثورة اليونانية في تحقيق أهدافا.
الأحداث:
لما وصلت الدولة العثمانية لمرحلة الضعف والانحطاط، أحاطت بتلك الدولة عدة متغيرات أثرت فيها وساهمت بقوة في ضعفها وسرعة انهيارها، من هذه المتغيرات النهضة التي تمت في الدول الأوربية، وكذلك حالة الجمود والتخلف العلمي في الدولة العثمانية، وكذلك اتفاق الدول النصرانية كلها مع خلافها بعضها مع بعض على الدولة العثمانية، والتفاهم على حربها وتقسيمها بدافع صليبي محض، وقد عُرف هذا الاتفاق ضد المسلمين في الكتب الأوربية باسم ‘المسألة الشرقية’، وكذلك ظهرت حالة الانبهار بالغرب، والهزيمة النفسية لكثير من المسلمين، وأصبح تقليد الأوربيين هدفًا كثير منهم، وكذلك ظهر الأثر اليهودي؛ سواء كان من يهود الدونمة الذين اختفوا وسط المجتمع المسلم بأسماء إسلامية، أو من اليهود الخارجين الذين يريدون شراء فلسطين كمهجر لهم، كل هذه المتغيرات أحاطت بالدولة العثمانية وساهمت في سرعة القضاء عليها.
– وكان من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف الدولة العثمانية هي ترك أهالي البلاد ا لتي يدخلونها على ما هي عليه من العقائد واللغات والعادات، ويكتفون بأخذ الخراج منهم، ولم يهتموا بنشر الدين الإسلامي في أوساط تلك البلاد، وهذا الأمر جعل أهالي تلك البلاد على علاقة وثيقة بأوروبا وأبناء جلدتهم وعقيدتهم من النصارى، وواكب ذلك كله حالة الافتتان بالتقدم الأوروبي، وأيضًا إرسال أبناء تلك البلاد إلى أوروبا للتعلم، مما زاد من حالة البعد والشقاق بين تلك البلاد والدولة العثمانية. وكان أوضح مثال لتلك البلاد هي بلاد اليونان؛ حيث أسس اليونانيون جمعيات سرية لهم في النمسا وروسيا، وبدأوا يعملون على الانفصال عن الدولة العثمانية، وكانت مراكز جمعية الأخوة أهم هذه الجمعيات في فيينا، وكثر أعضاؤها واستغلوا انشغال الدولة ببعض الثائرين عليها، فبدأوا الثورة والتمرد، وأعلنوا العصيان العام بتحريض من الروس بالدرجة الأولى، وأصبحت أوروبا تقوم بإرسال المال والسلاح للثوار، كما تطوعت أعداد كبيرة من الأوربيين في الثورة مع اليونانيين، من هؤلاء ‘واشنطون’ ابن جورج واشنطون أول رئيس للولايات المتحدة، والشاعر الإنجليزي اللورد ‘بيرون’ ووضع القصائد الحماسية في ذلك.
– تنبهت الدولة العثمانية لخطر تلك الثورة؛ فأرسلت خورشيد باشا للقضاء عليها، ولكنه لاقى مقاومة عنيفة انتهت بهزيمة جيش خورشيد باشا وانتحاره هو شخصيًا بالسم عام 1237هـ، وهنا كلف السلطان محمود الثاني محمد علي باشا والي مصر بإخضاع اليونانيين وضم لولايته شبه جزيرة المورة وجزيرة تكريت من بلاد اليونان، وهاتان المنطقتان كانتا بؤرة الثورة. سارت جيوش محمد علي بحرًا من الإسكندرية بقيادة إبراهيم باشا الذي استطاع أن ينزل بصعوبة على شواطئ الجزيرة، لاشتعال الثورة بها، واستطاع إبراهيم باشا أن يحرز النصر على اليونان. ودخل العثمانيون مدينة أثينا عام 1241هـ رغم دفاع القائد الإنجليزي كوشران عنها.
– تدخلت الدول الأوربية باسم حماية اليونان ظاهرًا، وبحقد صليبي واضح، واعتبرتها روسيا فرصة ذهبية للهجوم على الدولة العثمانية واحتلال استانبول وإعادتها لأصلها ‘القسطنطينية’ مركز الأرثوذكس، واضطرت الدولة العثمانية لتوقيع اتفاقية مجحفة لها جدًا عرفت باسم معاهدة ‘آق كرمان’ في 28 صفر 1242هـ، وكل شروطها لصالح روسيا، ووافقتها عليها كل دول أوروبا، وأهم ما جاء فيها هي حرية الملاحة لروسيا في الموانئ العثمانية، وتعيين حكام لبلاد الأقلاق والبغدان [رومانيا] من قبل روسيا، واستغلال الصرب. ومن العجيب أن هذه المعاهدة التي تمت بسبب ثورة اليونان لم تتعرض لذكر اليونان من قريب أو بعيد، ولم يذكر عنها شيء، لأن هذه الثورة قامت أصلاً كورقة ضغط على الدولة العثمانية لتقديم التنازلات لروسيا.
المراجع:
1 ـ التاريخ الإسلامي 8/165.
2 ـ موسوعة التاريخ الإسلامي ص604.
3 ـ تاريخ الدولة العثمانية