اقتصرت وظيفة الدولة في العصور الأولى على مرافق الدفاع والبوليس والقضاء ، وأصبحت علاقة الحكومة بالأفراد علاقة استثنائية محضة ، وكانت كل مسئولية الحكومة تنحصر في : تهئية الأمن الداخلي والخارجي والعمل على سيادة الطمأنينة والاستقرار .
وأصبح دور الحكومة بذلك مقتصر – كما يقول آدم سميث – على ثلاث وظائف رئيسية :
1) الدفاع .
2) المحافظة على النظام .
3) إنشاء وإدارة بعض المشاريع والمؤسسات العامة التي لن يكون من مصلحة أي فرد أو عدد قليل من الأفراد أن ينشئوها إذا لم يقوموا بإدارتها .
وأصبح آدم سميث على رأس ” المذهب الفردي ” والذي لا يؤمن بضرورة تدخل الحكومة ويؤمن بضرورة ترك الأفراد أحرارا.
ويؤمن أصحاب المذهب الفردي :
1) أن الإنسان خلق حراً طليقاً .
2) أنه لا يصح للحكومة إعانة الفقير أو تعليم الجاهل فالبقاء للأصلح .
3) أن عدم تدخل الحكومة يزيد من الإنتاج .
وقد كان للحرب العالمية الأولى أثر كبير في تغير مفهوم وظيفة الدولة لدى كثير من الفقهاء والفلاسفة بسبب الدمار والتدهور الذي حدث حينئذ .
وتبلورت هذه الأفكار لدى كثيرين خصوصا بعد الكساد الكبير 1929-1934 ، حيث ساد الكساد والبطالة مختلف البلدان, ومن المفكرين الذين نادوا بالوظيفة الحديثة للدولة مينارد كينز وظهرت أفكاره في كتابه المشهور ” النظرية العامة للتوظف ” .
وقد استعمل مينارد كينز (1930) نهاية مبدأ الحرية التجارية قائلا : إن أهم ما يجب أن تمارسه الدولة ، ليست الأعمال التي يقوم بها الأفراد بإدارتها عادة ، بل الأعمال التي تقع خارج حدود طاقة الفرد والقرارات التي لن يتخذها أحد إذا لم تتخذها الحكومة . إن المهم بالنسبة للحكومة ليس أن تقوم بالأعمال التي يقوم بها الأفراد فعلا ، بشكل أحسن أو أسوأ قليلاً ، بل أن تعمل في تلك الأشياء التي لا يقوم بها أحد في الوقت الحاضر ” .
وتقوم نظرية كينز على أن : الانفاق الأهلي الكلي = الانفاق الاستهلاكي الكلي + الانفاق الاستثماري الكلي + الانفاق الحكومي الكلي .
فإذا كان مجموع ما ينفقه المستهلكون في عام واحد 300 مليون جنيه ، وجميع ما ينفقه المستثمرون 200 مليون جنيه ، وجميع ما تنفقه الحكومة (الهيئة الحاكمة ) 100 مليون جنيه ، كان مجموع الانفاق الكلي 600 مليون جنيه . فإذا لم يكن هذا المستوى من الانفاق الكلي (للمجتمع ككل) يحقق التوظيف الكامل لحدثت البطالة .
والنتيجة المنطقية لذلك أنه يجب على الحكومة أن تتدخل في الاقتصاد القومي لكي تؤثر على مستوى الانفاق الكلي بشكل يحقق التوظيف الكامل ، وإلا ساد الكساد وتدهورت الأحوال .
وقد ظهرت نظرية كينز للتوظف في وقت ” الكساد الكبير ” الذي اجتاح أمريكا 1929-1934 وقد تبنى هذه النظرية فرانكلين روزفلت مباشرة وآمن بضرورة تدخل الحكومة لتحقيق زيادة الانفاق الحكومي وتحقيق التوظف الكامل عن طريق المشروعات العامة ، وكان ذلك حجر الأساس في اتجاه الحكومة الجديدة .
وقد أثرت حوادث الحرب العالمية الثانية على هذه الاتجاهات العامة . فالشعور بضرورة الإقلال من المخاطر التي يتحملها الأفراد وقبولهم تولي الحكومة الوظائف الجديدة ظهر بشكل واسع .
وهكذا ظهر الاتجاه الجديد نحو الدولة الإيجابية أو دولة الرفاهية ، وقد أدى هذا الاتجاه إلى اتساع نطاق العمل الحكومي وامتداد نشاط الدولة إلى المجالات كافة لتنظيم النشاط الاقتصادي وتوجيهه ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، وذلك بقصد توفير الخدمات الضرورية للمواطنين وتحقيق رفاهيتهم ورخائهم في شتى المجالات .
لقد أصبحت الدولة مسئولة عن ترسيخ الأمن في الداخل ، وتعزيز الدفاع عن المواطنين ، وتوفير التعليم والصحة والإسكان المناسب ، وتأمين العيش الكريم لهم ، والحفاظ على معدل مرتفع للنمو الاقتصادي عن طريق تنمية الموارد الاقتصادية ، وزيادة الرفاهية لجميع فئات المجتمع ، ودعم الاستقرار الاجتماعي في مواجهة التغيرات الاجتماعية السريعة .
ولا يقتصر دور الإدارة في مجتمعنا المعاصر عند هذا الحد بل يتعداه إلى مسؤوليتها الضخمة من إحداث التنمية الشاملة ، وهذا هو دور الإدارة الجديد وهو أعظم تحدياتها ، وهذا الدور وذلك التحدي يؤديان إلى النمو المطرد في نشاط ومهام الإدارة ، وهذا ما أدى إلى ظهور ما يطلق عليه في وقتنا الحاضر ” دولة الإدارة ” .
أهم المراجع :
- الإدارة العامة : إدارة الأعمال الحكومية وشبه الحكومية المبادئ والنظريات . د.سيد محمود الهواري .
1. الإدارة العامة : الأسس والوظائف . د.سعود النمر وآخرون