صفحات منسية

القاضي المبتدع

المكان/ الجمعة 26 جمادى الآخرة – 223هـ

المكان/ بغداد – العراق

الموضوع / العوام يثورون على أحد القضاة المبتدعين .

الأحداث /

إن أعز ما يملكه المسلم وحتى غير المسلم هو اعتقاده الذي يعتقده ويربط عليه ثنايا قلبه وحنايا فؤاده وهذا الاعتقاد لا يملك أحد سوى الله عز وجل أن يغيره أو يبدله تلك حقيقة هامة يغفل عنها كثير ممن ظنوا من أنفسهم القدرة في التحكم في قلوب الناس وعقائدهم وإيمانهم كما تحكموا في أبدانهم ومصائرهم من قبل ومن هؤلاء الذين غفلوا عن هذه الحقيقة الهامة الخليفة العباسي المأمون كما سيتضح لنا من سياق الأحداث في تلك الصفحة .

كان المأمون معتزلى العقيدة يؤول الصفات ويقول أن القرآن مخلوق واستمر قرابة العشرين سنة يدعو بالحسنى لتلك البدعة بين الناس حتى ألزمه قاضي المحنة ابن أبي دواد أن يستعمل القوة في الدعوة ويلزم الناس بتلك العقيدة الباطلة إلزاماً على أن يبدأ بإلزام أهل العلم والمحدثين والفقهاء أولاً لأنهم لو أجابوا فيسهل إقناع العامة وباقي الشعب وبالفعل بدأت المحنة باختبار الناس للقول بخلق القرآن منس نة 218هـ وفتحت المعتقلات للمخالفين ورفع السوط على المعارضين وهدد العلماء بالحرمان من الوظائف ووقع خطب عظيم وفتنة هائلة لم يثبت فيها إلا خمسة من العلماء على رأسهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل , وظن المأمون وبطانته أنهم قد استطاعوا نشر تلك البدعة بين الناس وإنما نشروها بحد السيف ظاهرياً فقط لأن القلوب كانت معقودة على الإيمان .

مات المأمون في نفس السنة التي ألزم الناس فيها بتلك البدعة الخبيثة .

تنفس الناس الصعداء وظنوا أنهم قد نجوا من هذا الكابوس الذي يحاول أني يسيطر على قلوبهم وعقائدهم ولكن بطانة المأمون التي استولت عليه كانت قد ذرعت لها أعواناً ووضعت في المناصب الحساسة من يدين لها بالولاء ويعتقد نفس عقيدتها الفاسدة وكان منصب القضاء من أكثر المناصب حساسية وتأثيراً في المجتمع ويسهل على القاضي أن يروج لهذه العقيدة بحكم منصبه , المهم كان أحد أهم هؤلا القضاة الذين زرعهم المبتدعون هو القاضي شعيب بن سهل المعروف باسم شعبونة وكان معتزلياً جهمياً يجل جهم بن صفوان ويحبه جداً وكان هذا القاضي قد وصل أيام الخليفة المأمون ومن بعده المعتصم لأرفع درجات القضاء حتى صار قاضي بغداد كلها , وكان له مسجد معروف بأنه مركز من مراكز الدعوة لتلك البدعة بل إن هذا القاضي المبتدع كتب على جدران هذا المسجد عبارات بدعية على خلق القرآن هكذا جهاراً كل ذلك نكاية لأهل السنة .

لم تكن قلوب العوام لتحتمل هذا البغي كله على عقائدهم من إرغام وتهديد وقطع أرزاق وإعتقال إلى غير ذلك خاصة بعد أن استطال المعتزلون والجهميون وجاهروا بعقائدهم فاندلعت ثورة العوام في يوم الجمعة 26 جمادى الآخرة 223 هـ حيث حاول أحد المعتزلة في الجامع أن يقوم ويجهر ببدعته ويدعو الناس لها فقام له رجلان من أهل السنة فضرباه وشتماه ثم خرجا من الجامع وخرج الناس وراءهم متجهين إلى مسجد القاضي المبتدع الداعية وطلبوا منه أن يزيل من على جدران المسجد شعارات المعتزلة ومدح جهم بن صفوان فرفض هذا القاضي وأغلق باب مسجده وقام هو وأعوانه من المعتزلة برمي العامة بالسهام والحراب فقامت ثورة عارمة للعامة واقتحموا المسجد وداره ونهبوها وأزالوا شعارات المعتزلة من على الجدران ووقعت فتنة كبيرة .

لما رأى قاضي المحنة ابن أبي دواد هذا قرر عزل حليفه السابق شعيب بن سهل عن منصب القضاء وكان شعيب هو أول قاضي في تاريخ بغداد تنهب داره ويثور عليه الناس هكذا.

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً