صفحات منسية

القاضي الفاسد

28 ربيع أول ـ 822 هـ.

المكان : القاهرة ـ مصر.

الموضوع : العوام في مصر يجبرون السلطان على خلع القاضي الفاسد.

الأحداث:

دائمًا كان للعوام دور كبير وهام في مجريات الأحداث العادية واليومية التي تجري في بلاد المسلمين لتأثير هذه الأحداث على حياتهم مباشرة ولحس هؤلاء العوام المرهف تجاه النوازل التي تحيط بالأمة لذلك نجد أن الملوك والسلاطين والأمراء على مر العصور يحترمون رغبات العوام ويتعرفون عليها ويضعونها في حساباتهم قبل اتخاذ أي قرار ذلك لأن العوام يمثلون عصب الأمم والغالبية العظمى من الشعوب، وهؤلاء العوام كانوا ما زال فيهم بقية حياة وسراج حياء في نفوسهم الأبية للظلم والطغيان لذلك نجد لهؤلاء العوام صفحات مضيئة من التحرك والثورة من أجل الحق وذلك في مواطن عديدة مثلما حدث في صفر سنة 249 عندما ثارت العامة في وجه ظلم الأتراك وما فعلوه بالخلفاء، وما فعله العوام ضد السلطان مسعود السلجوقي عندما أراد غزو بغداد وإخراج الخليفة المسترشد وغيرها من الثورات والحركات التي قام بها العوام من أجل الحق والعدل.

صفحتنا هذه من جنس سابقيها حيث كان للعوام الدور الأكبر فيها وذلك أنه في عهد دولة المماليك الجراكسة أو البرجية كما يقال عنهم بالتحديد في عهد السلطان المؤيد شيخ وكان أصله من مماليك السلطان الظاهر برقوق ودارت به الأيام حتى تولى السلطنة في الديار المصرية لذلك كان يقدر حجم المعاناة ويعمل على رفعها من على الناس، وكان قاضي القضاة في عهده رجلا اسمه ‘شمس الدين الهروي’ وكانت العوام تكرهه بشدة لفساده وسوء أخلاقه ولما كان يقع منه من الأمور القبيحة من أخذ الرشاوى والمحاباة للأقارب والجور والعسف الشديد مع أصحاب الميراث وازداد طغيانه حتى ثبتت عليه أمور فاحشة السكوت عنها أجمل، هنا وعندها تحرك العوام وثاروا على الظلم وتوجهوا من فورهم بجماعة من أعيانهم وطلبوا من السلطان المؤيد عزل هذا القاضي الفاسد فأمر السلطان بإحضاره وأجرى معه تحقيقا فيما نسب إليه من المنكرات والاتهامات فثبتت عليه التهم فأهانه السلطان إهانة شديدة بالغ فيها ثم أمر بعزله فعندما خرج من قصر السلطان كادت العوام أن يرجموه بل قاموا بالفعل برجمه و لولا أن الحراسة كانت معه لقتلوه.

توجه السلطان المؤيد بعدها لأداء الصلاة بالجامع وطلب قاضي القضاة جلال الدين البلقيني ليتولى المنصب وذلك بناءً على رغبات العوام فلما تسامع الناس بذلك ارتجت له القاهرة وخرج العوام والقاهرة بأسرها وأوقدوا له الشموع على الدكاكين ووقفوا له بالطريق يحملون مجامر البخور والعطور وتخلّق الناس بالزغفران وكان يومًا مشهودًا وأكثر الناس من الدعاء للسلطان على عزل القاضي الفاسد وذلك في 28 ربيع الأول سنة 822هـ.

ومن الأمور العجيبة أن القاضي الفاسد ‘الهروي’ قد ثبت عليه أنه قد اختلس من المال العام وسجن بسبب ذلك حتى أعاد ما أخذه وأفرج عنه فخرج متوجهًا للشام وظل يتربص للوثوب مرة أخرى على تلك الوظيفة فمكث في القدس حتى سنة 827هـ فلما تولى اِلأشراف برسباي السلطنة في مصر عاد فطلب منه أن يوليه القضاء فرفض وعينه في كتابة السر فعاب الناس عليه ذلك بعد أن كان قاضي القضاة يقوم له السلطان أصبح واقفًا على أقدامه في خدمة السلطان ليلاً ونهارًا وحقًا إذا لم تستح فاصنع ما شئت، والعجيب أن هذا القاضي ما زال يعمل جاهدًا بالمكيدة والخداع حتى أعيد مرة أخرى إلى قضاء الشافعية وعوضًا عن الحافظ ابن حجر العالم الكبير الذي كان يرفض أي تجاوزات أو خروج عن الحق فأصبح هذا القاضي ‘الهروي’ موضع عيب الناس كلهم.

المراجع:

1 ـ بدائع الزهور 2/45.

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً