صفحات منسية

اغتيال كليبر

الزمان/ السبت 22 محرم – 1215هـ

المكان/ حديقة الأزبكية ـ القاهرة ـ مصر.        

الموضوع/اغتيال القائد الفرنسي ‘كليبر’ على يد سليمان الحلبي.        

الأحداث/

مفكرة الإسلام : إن هذا الحدث ليشير بإصبع التاريخ إلى أن المسلمين كانوا دائمًا يدًا واحدة على من عاداهم، كالجسد الواحد يحس بعضه ببعض ويحزن بعضه لحزن البعض، لقد كان الإيمان غضا في القلوب فما باله اليوم وقد علته صفرة المرض وتراب المعصية والشهوة . . .

نعود إلى الوقت الذي دخل فيه نابليون مصر غازيًا في عام 1213هـ، حيث أوهم المصريين بأنه قد جاء بناءً على طلب الدولة العثمانية لإزالة ظلم المماليك، وادعى أنه مسلم يحترم القرآن حتى يتقرب من الناس، وعمل على حضور المناسبات الدينية، وقرّب إليه العلماء، وأنشأ ديوانًا للعمل والحكم، جعل فيه بعض العلماء، ولكنه ما لبث أن أظهر كفره ونفاقه؛ فجهر بالمنكرات والمعاصي، وفتح حانات الخمور، وصادر أموال الأوقاف، ثم جاءت هزيمة الأسطول الفرنسي في أبي قير مما جعل نابليون في موقف اقتصادي حرج، فاشتد في الضرائب وأدى ذلك لقيام ثورة القاهرة الأولى من الأزهر، فقمع نابليون الثورة بشدة، وقصف الأزهر بالمدافع، وألغى الديوان الذي أنشأه من العلماء، وألف ديوانًا ضم النصارى والجاليات النصرانية المقيمة بمصر.

أرسلت الدولة العثمانية جيشًا بالتحالف مع الإنكليز لضرب الحملة الفرنسية في مصر، فبادرهم نابليون، وخرج للقاؤهم في الشام، ولم يستطع التقدم لمقاومة أهل عكا له بقيادة أحمد باشا الجزار، وكذلك لانتشار الطاعون بين جنده، فعاد خائبًا إلى مصر.

وعند وصوله إلى مصر جاءت نابليون أخبار بوقوع اضطرا بات شديدة في فرنسا، وأن وضع الثورة أصبح حرجًا، فترك مصر وتوجه إلى فرنسا تاركًا الجنرال كليبر قائدًا للحملة الفرنسية في مصر، ولم يكن له إمكانيات نابليون، فقامت عليه ثورة القاهرة الثانية، وتزعمها عمر مكرم، ولكن كليبر قمع هذه الثورة بشدة وقسوة، وزاد في ظلم الناس، ولم يوقف القصف إلا بعد دفع مبالغ طائلة، ونفى عمر مكرم ورفقاءه، وزاد في ظلمه وجبروته، مما أدى إلى ما جرى له على يد الشاب ‘سليمان الحلبي’.

كان سليمان الحلبي من أهل الشام، قدم على مصر للتعلم في الأزهر، وكان من المجاورين له، وقد آلمه ما يفعله كليبر بالمسلمين من أهل مصر؛ فعزم على قتل كليبر، انظر عزم هذا الحلبي الشامي . . . لا .. لا تقل ذلك بل قل المسلم . . . نعم، فهكذا المسلم يشعر بأخيه المسلم أنى كان وحيث كان حتى يمد له يد العون وإن كان في ذلك تضحيته بنفسه فضلا عن ماله، تسلل البطل لحديقة قصر كليبر بجوار الأزبكية، وتظاهر أمام كليبر أنه فقير وله حاجة، وهذا من كياسته وفطنته، وإلا فكيف يصل هذا الضعيف الفقير لذاك القائد اللعين وحوله الجند المدجج بالسلاح، وكان يمشي مع كليبر كبير مهندسي الحملة الفرنسية، فمد كليبر يده اليسرى لسليمان الحلبي حتى يقبّلها، فمسكها سليمان، ثم طعنه بخنجره أربع طعنات قاتلة في بطنه، ثم طعن كبير المهندسين، فصرخ بصوت عال؛ فاجتمع الجند وأمسكوا بسليمان, وقادوه للمحاكمة .

ويالها من محاكمة ملؤها العدل . . نعم . . وهل يستطيع أحد أن يقول بغير ذلك، إن محاكمة سليمان الحلبي على يد محققين فرنسيين من أكبر الأدلة على الحقد الصليبي الكامن داخل الصدور؛ حيث دارت محاكمة طويلة عريضة، حاولوا فيها أن يزجوا بأكبر قدر من الأسماء في هذه القضية، نعم أدخلوا فيها ثلاثة آخرين، كلهم شيوخ وحفظة للقرآن الكريم، وهم: عبد الله الغزي، ومحمد الغزي، والسيد أحمد الوالي، إنها قضية كبيرة . . لقد كان تنظيما . . بل ولقد أحاك المؤامرة الوحشية طغمة إرهابية، كيف يفعلون ذلك بالقائد كليبر . . إن له أولادا صغارا، وامرأة ، ولا بأس من العديد من الأشكال الدرامية الدامعة، أما ما فعله هو فلا بأس به فقد كان يؤدي عمله .

وبعد محاكمة طويلة أصدروًا حكمًا يدل على القسوة والجبروت؛ انظر رحمك الله إلى حكم هؤلاء الذين ينادون بإلغاء عقوبة الإعدام لقسوتها، بل ويتحدثون عن فظاعة الإسلام حين يقيم حدا شرعيا على فاعله، انظر بماذا حكموا، لقد حكموا على سليمان الحلبي بأن تحرق يده اليمني، ثم يتم وضعه على خوزق حلب، وتبقى جثته حتى تأكل الطير منه، أما الثلاثة الآخرون فحكموا عليهم بقطع رؤوسهم وحملها على أخشاب ويطاف بها في البلاد .

ولكن هذا المشهد كان هو المسمار الأخير في نعش الحملة الفرنسية؛ حيث لم يبقوا بعد تلك الحادثة إلا قليلاً، ثم خرجت الحملة كلها من أرض مصر .

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً