فن الإدارة

استراتيجية التعاون المشترك (أفوز أنا وتفوز أنت)

محمد أحمد العطار

يقول “إدموند بورك” رجل الدولة والخطيب البريطاني إبان القرن الثامن عشر: (إن كل أفعال التوجيه والسيطرة، كل منفعة ومتعة بشرية وكل فضيلة وكل تصرف متزن وحكيم يقوم فعليًّا على الحلول الوسط والمقايضة).

وكما ترى فإن التفاوض المؤدي لفوز كلا الطرفين ليس بالمفهوم الجديد، بل إن الميل لتبني الحلول الوسط كان دائمًا سمة أساسية في المجتمعات المتحضرة، وهي الأساس الذي يرتكز عليه مفهوم التفاوض المؤدي لفوز كلا الطرفين.

لهذا سوف نتعرف سويًّا على استراتيجية التعاون من خلال عناصر المقال وهي:

  1. ما هي استراتيجية التعاون المشترك؟
  2. الفرق بين استراتيجية التعاون واستراتيجية المواجهة.
  3. لماذا يتجنب البعض الوصول إلى “حل وسط”؟

أولًا ـ ما هي استراتيجية التعاون المشترك؟

وفي ظل هذه الاستراتيجية يسعى كل طرف إلى كسب الطرف الآخر واستمرار العلاقات المشتركة وذلك من خلال الحوار، وتبادل الاقتراحات وتوفير جو الصداقة، وكشف الحقائق والمصارحة، ومحاولة الوصول إلى منتصف الطريق، وكثيرًا ما يسود جلسة التفاوض في ظل هذه الاستراتيجية التعاون والمشاركة الفعالة من جميع الأطراف في سبيل تحقيق الإتفاق الملائم لكل منهم.

تقوم استراتيجيات المصالح المشتركة على مجموعة من المبادئ العامة أهمها ما يلي:

  1. التعاون بين أطراف التفاوض وتحقيق التكامل بينهم كشركاء بما يُوفِّر فرص نجاح عملية التفاوض.
  2. حرص كل طرف على بذل أقصى ما في وسعه؛ لتعميق الثقة لدى الطرف الآخر.
  3. وضوح الجهود التي يبذلها أطراف التفاوض؛ لتوظيف الإمكانيات المتوفرة لدى كل طرف من أطراف التفاوض.
  4. وضوح صدق كل طرف في إحكام السيطرة على الجوانب السلبية التي يمكن أن تقلل من فعالية التعاون وتحقيق أهداف عملية التفاوض.
  5. وجود تفاهم مشترك بين أطراف التفاوض بشأن المزايا والفوائد الممكنة وأسلوب تحقيق المنافع المشتركة منها.
  6. وجود توافق في الاتجاهات والميول وتوفر الرغبة الصادقة لدى أطراف التفاوض؛ لتقديم التنازلات التي تتطلبها أهداف عملية التفاوض.

وتهدف هذه الاستراتيجيات إلى توسيع قاعدة المنافع المشتركة لجميع أطراف التفاوض، بمعنى أن يستهدف المفاوض تحقيق المنفعة له وأيضًا للطرف الآخر، وبالتالي أن يفوز الاثنان.

ويمثل هذه الاستراتيجيات الاحتمال فوز/فوز، أي لكل من الطرفين، وبعبارة أخرى توسيع قاعدة المنافع التي يشارك فيها كل من طرفي التفاوض.

ومثال ذلك أن يستهدف المفاوضين المصري واللبناني أو السوري والفرنسي توسيع السوق التصديرية لكل منهما، وفي نفس الوقت توفير احتياجات كل منهما الداخلية دون الحاجة لتدبير عملات أجنبية نادرة لدى كل منهما، وكنتيجة لذلك يتوصلان إلى اتفاقيات للتبادل التجاري بأسلوب الصفقات المتكافئة، كأن تصدر مصر إليهم الأثاث والأحذية، وفي المقابل تستورد منهم الملابس الجاهزة أو المولدات الكهربية ومضخات المياه.

ثانيًا ـ الفرق بين استراتيجية التعاون واستراتيجية المواجهة:

يعتقد المفاوض في استراتيجية التعاون بأن اتخاذ موقف تعاوني مع الطرف الآخر يتيح فُرصًا أفضل لإنجاح المفاوضات من وجهة نظره، بينما يعتقد المفاوض في استراتيجية المواجهة أن المواجهة تتيح فرصًا أفضل، ومثال ذلك ما يجرى من مفاوضات بين وزير التموين والتجارة وبين منتجي السكر مثلًا ونجده أمام بديلين:

  • البديل الأول:

   وهو أن يُسلم بأن المصلحة مشتركة بينه كوزير مسئول في الحكومة عن توفير الغذاء للشعب وبين منتجي السكر باعتبارهم طاقات إنتاجية لازمة لإنتاج هذا الغذاء، ويجب التعاون بين الطرفين ليتم الاتفاق على السعر المناسب للسكر، بما يحقق سياسة الوزراء من جهة، ويحقق العائد المناسب لمنتجي السكر من جهة أخرى.

  • البديل الثاني:

   وهو أن يعتبر الوزير أنه في حالة مواجهة مع هؤلاء المنتجين الذين تتعارض مصالحهم جذريًّا مع سياسة وزارته، وبالتالي فهم لا يرضون أبدًا إلا بربح مبالغ فيه ولو على حساب المصالح الحقيقية للجماهير العريضة من أفراد الشعب، وبالتالي يتبنى الوزير استراتيجية مواجهة في مفاوضاته معهم، ويصر على موقفه دون أيِّ تساهل أو تلبية لمطالبهم.

   فتختلف استراتيجية التعاون عن استراتيجية المواجهة، حيث تعتبر الأولى تعمل على مصلحة الجميع (أفوز أنا وتفوز أنت)، أما الثانية فتعتبر أكثر صمودًا وتمسكًا بشروط التفاوض، حتى ولو على حساب الطرف الآخر، وهذا يطرح علينا سؤالًا لماذا يتجنب البعض الوصول إلى حل وسط؟

ثالثًا ـ لماذا يتجنب البعض الوصول إلى “حل وسط”؟

إن سبب تجنب البعض الوصول إلى ما يسمى بالحل الوسط يَكمُن في أنّ الكثيرين يفسرون التحرك نحو الحل الوسط على أنه إشارة للضعف.

 كما أن هناك من يعتقد أن رفض التحرك نحو الحل الوسط لفترة طويلة من شأنه أن يجبر الطرف الآخرعلى التسليم، أو أن تفشل عملية التفاوض برمتها، لذلك لكل مفاوض حلان على الأقل، الحل الأول أن يحقق الطرف الأخر مطالبك، والحل الثاني أن تحقق أنت مطالب الطرف الأخر، ومهمتك الاستراتيجية هنا أن تصل مع الطرف الآخر إلى حل مناسب لكليكما والذي سيكون مختلفًا عن الحلين الأول والثاني.

فما بين الحلين عادة ما يكون هناك تسوية ما تنتظر الطرفين إذا ما سعيا إلى اكتشافها، وهذا ما يسمى بالأرضية الوسط أو الحل الوسط، فعمومًا أن تقايض من خلال التضحية والتخلي عن الأشياء ذات القيمة الأقل لك في مقابل الحصول على أشياء أقل قيمة للطرف الآخر.

 على سبيل المثال: عندما تكون عطشان فأنت تتخلى عن النقود في مقابل الحصول على الماء، فأنت تعتبر المال في تلك اللحظة أقل قيمة عندك من الماء، فهو هنا وسيلة من أجل أن تطفئ نار الظمأ والعطش، وفي المقابل فإن الشخص الذي لا يعاني العطش ويملك الماء لكي يبيعه لك، فإنه يضع المال الذي تدفعه في قيمة أعلى من الماء الذي ستشربه.

 ففي مثل هذه الحالة تتم المقايضة بسهولة فأساسها هو مقايضة المال بالماء والماء بالمال ويشعر الطرفان بأن كلًا منهما قد حقق مكسبًا.

ولذا؛ فإن أطراف التفاوض يمكن أن يفوزا لو أنهما عملًا سويًا نحو تحقيق الهدف الحقيقي ألا وهو التوصل لحل مقبول لكليهما، فالأطراف المتفاوضة يجب أن تكون راضية عن نتيجة التفاوض، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق كل طرف النتائج المرجوة من التفاوض بنسبة 100%، ولكنه يعني أن كلا الطرفين يدركان جدوى وقيمة التوصل لحل عن طريق التفاوض ومستعدان لقبوله.

 ويطلق على هذا النوع من التفاوض في كثير من الأحيان اسم “التفاوض المؤدي لفوز كلا الطرفين” حيث أن طرفيه يفوزان عندما يتم تسوية الصراع عن طرق التوصل لحل وسط، وبذلك لا يكون هناك خاسرون ببساطة.

ولذا؛ فكر في التفاوض على أنه السبيل لتسوية الخلافات القائمة بما يحقق المصلحة المشتركة لجميع الأطراف المعنية، ويمكن اعتبار التفاوض علمًا وفنًا معًا: فهو علم تسوية الحل الوسط بالتعاون وفن الاتفاق التعاوني.

وأخيرًا، نختم بما قالة جورج فولر: (إن الإستراتيجيات العامة للتفاوض عادة ما تندرج تحت فئتين: مدخل الحل المشترك للمشكلات (فائز / فائز)، أو التفاوض على أساس الخصومة الحادة، وتؤكد استراتيجية (فائز / فائز) على خدمة مصالح الطرفين بأفضل صورة من خلال العمل المشترك على تحديد وحل المشكلات التي تعوق التوصل إلى اتفاق، وعلى الجانب الآخر، مدخل الخصومة الحادة يستوجب أن يسعى كل من الطرفين لتحقيق مصالحه الخاصة).

لهذا عزيزي القارئ هذه كانت استراتيجية التعاون المشترك، فأنصحك بها لأنها تجعلك فائزًا بأمرين: الأول عملية التفاوض، والثاني: هو العلاقة الحسنة مع الطرف الأخر.

أهم المراجع:

  1. دليل المفاوض، جورج فولر.
  2. فن إدارة الاختلاف، د.جوديت أي فيشر.
  3. المفاوض المثالي، كيفين كين.
  4. التفاوض الناجح، د.مصطفي محمود أبوبكر.
  5. التفاوض مهارات واستراتيجيات، د.ثابت عبد الرحمن إدريس.

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً