الزمان/ 6 ذي القعدة – 339هـ
المكان/ مكة المكرمة
الموضوع /إعادة القرامطة الحجر الأسود إلى موضعه .
الأحداث /
مفكرة الإسلام : في سنة 317هـ جرت خبطة ببغداد واقتتل الجيش وتم ما لا يوصف وقاموا بعزل المقتدر وجاءوا بمحمد بن المعتضد وكان محبوسا وبايعوه ولقبوه بالقاهر وأشهد المقتدر على نفسه بالخلع وجلس القاهر في دست الخلافة وكتب إلى الأمصار بذلك ثم انقلب الجيش مرة أخرى على القاهر وأقبل خواص المقتدر فأخرجوه من محبسه وبايعوه بالخلافة مرة أخرى فأنفق في الجند مالا عظيما _ فتأمل ما سينكشف عنه هذا التخبط والاقتتال على السلطة _ وكان في عهد المعتضد رجل يدعى أبو سعيد الحسن بن بهران الجنابي في البحرين والأحساء دعا أهلهما إلى مذهب السبعية _ الذي نسميه نحن الباطنية _ فأضلهم وقوي أمره ولما استحكم شأنه هناك أخذ يقطع الطرق ويغير على النواحي والأطراف وأظهر الإباحة علنا واستمر على هذا المنوال شطرا من الزمن إلى أن اغتاله أحد الخدم مما حدا بهذه الطائفة أن لا تعتمد الخدم أو تركن إليهم وتولى بعد أبي سعيد ابن له كان يكنى بأبي طاهر الذي أخذ نفسه بالصلاح حينا وكان يعرف شيئا من مقالة السبعية وأرسل أبو طاهر إلى الدعاة يستفسر عن غاية كتابهم البلاغة السابع فأرسلوه إليه ولما قرأ الكتاب أضحى وكأنه كلب ضار فدعا كل من كان في البحرين والأحساء من الشباب وعشاق السلاح هلموا إلي فإن لي بكم حاجة وكان ذلك قبيل موسم الحج فتجمع حوله خلق لا يحصون عدا فمضى بهم إلى مكة ووصل في وقت أداء الفريضة وقد كان الحجيج محرمين فأمر رجاله أن اشرعوا سيوفكم واقتلوا كل من تصادفونه وأطلقوا أيديكم بالمكيين والمجاورين واستلوا سيوفهم وأعملوها في الناس قتلا فلما رأت الخلائق هذا فزعت إلى داخل الحرم ووضعت المصاحف أمامها أما المكيون فهرعوا إلى السلاح وتأزر كل من كان لديه سلاح به ومضى إلى ساحة الوغى فلما رأى أبو طاهر الأمر على هذه الحال أخرج إلى وسط ساحة القتال رسولا يقول لقد جئنا للحج لا للقتال وكان الذنب ذنبكم إذ أفسدتم علينا إحرامنا وقتلتم واحدا منا دون ذنب فاضطررتمونا إلى حمل السلاح وإذا ما ذاع في العالم أن المكيين يتأبطون الأسلحة ويعبثون في الحجيج قتلا فسيعزف الناس عن الحج وتؤصد طريقه وتسوء سمعتكم لا تفسدوا علينا حجنا بل دعونا نؤدي الفريضة وخيل للمكيين صدق قوله ولم يستبعدوا أن أحدا قد تحرش بهم فشهر سلاحه عليهم وقتل واحدا منهم _ وهذا من جهلهم وعدم معرفتهم بأحوال تلك الفرقة الخبيثة _ واتفقوا على أن يعيد الجانبان السيوف إلى أغمادها وأقسما بالقرآن الكريم يمينا لا رجعة فيها بأن لا يعودا إلى القتال ثانية وأن يتراجع المكيون ويعيدوا المصاحف إلى أمكنتها في الحرم حتى يتمكن الجانبان من زيارة الكعبة وتأدية مناسك الحج وأقسم المسلمون من المكيين والحجاج كما أقسم أبو طاهر ورجاله وفق إرادتهم ثم تراجعوا وألقوا السلاح وعاد المكيون ثم أعادوا المصاحف إلى أماكنها _ كل ذلك ودار الخلافة في عالم آخر _ واستأنف الحجيج تأدية مناسكهم وطوافهم ولما رأى أبو طاهر أن حملة السلاح قد تفرقوا أمر أعوانه أن هبوا إلى السلاح واندفعوا إلى الحرم واقتلوا كل من تلقونه في داخله وخارجه فاندفعوا بسيوفهم ورماحهم إلى الحرم بغتة وأخذوا يقتلون كل من يجدونه في طريقهم إلى أن قتلوا المجاورين جميعا وخلقا كثيرين غيرهم وجعل الناس يلقون بأنفسهم في الآبار ويفرون إلى رؤوس الجبال خوفا من السيف وأخرج القرامطة الحجر الأسود من الكعبة وصعدوا إلى سطحها وخلعوا ميزابها الذهبي وهم يرددون لقد صار ربكم إلى السماء وخلى بيته الكعبة نهبا مضاعا في الأرض انهبوه ودمروه ثم نزعوا كسوة الكعبة عنها ونهبوها قطعة قطعة وهم يرددون باستهزاء بعض الآيات الكريمة [من دخله كان آمنا] و[آمنهم من خوف] ويقولون أيضا لماذا لم تأمنوا شر سيوفنا وقد دخلتم الكعبة لو كان لكم إله لوقاكم جراحات سيوفنا وأمنكم من خوفها وغير هذا من عبارات الكفر ثم استولوا على نساء المكيين وأبنائهم وأخذوهم سبايا معهم أما القتلى فتجاوز عددهم عشرين ألفا فضلا عمن ألقوا بأنفسهم في الآبار أحياء حتى هؤلاء أمر أبو طاهر بإلقاء القتلى فوقهم ليلقوا حتفهم أيضا وأما غنائمهم فكانت مائة ألف بعير ومقادير لا حصر لها من الذهب والفضة والدنانير والقصب والمسك والعنبر وطرائف أخرى ثمينة ولما عادوا إلى الأحساء بعثوا بهدايا من هذه الأموال إلى الدعاة _ أي الدعاة إلى مذهبهم _ في كل مكان .
لقد نزلت هذه الكارثة بالإسلام في عهد المقتدر سنة ثلاثمائة وسبع عشرة هجرية ولما جاء أبو طاهر بن أبي سعيد إلى الأحساء جمع الكتب السماوية من قرآن وتوراة وزبور وإنجيل أنى وجدت ورمى بها في الصحراء وقال لقد دمر الناس في الدنيا ثلاثة راعي غنم وطبيب وراعي إبل إني لفي غيظ شديد على الأخير خاصة فقد كان أذكاهم وأدهاهم وأكثرهم شعبذة وحيلة ثم أباح الأخت والأم والابنة وشق الحجر الأسود نصفين ووضعه على حافتي مرحاض وكان يضع إحدى رجليه حين يجلس على نصفه والأخرى على النصف الآخر وأمر بسب الأنبياء عليهم السلام ولعنهم علانية وساء العرب جدا أمره الناس بإباحة الأم ومواصلتها حتى إن كثيرين منهم تجرعوا شيئا من الزرنيخ والكبريت الأصفر حبا في الموت على أن يواصلوا أمهاتهم إلا أن أهل المغرب تلقوا لجهلهم هذا الأمر تلقيا طبيعيا وأخذوا به وعاد أبو طاهر فهاجم قوافل الحجيج مرة أخرى ناكثا أيمانه ضاربا بها عرض الحائط وقتل خلقا كثيرا غير أنه لما علم هو ورهطه بتجمع المسلمين بخراسان والعراق وعزمهم على التوجه إلى الحج برا وبحرا خافوا فأعادوا الحجر الأسود _ وهذا من بركة الاجتماع ونبذ الفرقة فتأمل _ ولما صار المسلمون إلى مسجد الكوفة الجامع إذا بالحجر الأسود ملقى هناك فأخذوه ورتقوه بقضيب حديد وحملوه إلى مكة وأعادوه إلى مكانه .
وقد كان ذهابهم به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمائة ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة فمكث غائبا عن موضعه من البيت اثنتين وعشرين سنة فإنا لله وإنا إليه راجعون وكل ذلك من ضعف الخليفة وتلاعب الترك بمنصب الخلافة واستيلائهم على البلاد وتشتت الأمر .
وكان أبو طاهر عليه اللعنة قد ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه وأقام بمكة أحد عشر يوما ثم رحل بأتباعه وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع حين علم القرامطة اجتماع المسلمين وقدومهم .
وقيل إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن