صفحات منسية

‘الشهيد الثائر’

الزمان/ الجمعة 10محرم – 61هـ

المكان/ كربلاء ـ الكوفة ـ العراق .   

الموضوع/ مقتل الحسين وسبعين من أتباعه وأهل بيته على يد جيش عبيد الله بن زياد .   

الأحداث /

مفكرة الإسلام : إن تناول هذا الحدث من الأمور التي تشق على النفس من جهة صاحب الحدث نفسه وحب القلب له ولم لا وهو حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جهة أخرى لدس الشيعة والرافضة الكثير من الأحاديث الموضوعة والتي تزيد المسلم حنقا على بني أمية وتسهل عليه القول بفسقهم إن لم يشتط ويزايد فوق ذلك، نبدأها بذكر حديث ضعفه بعض أهل العلم وكان لهم فيه مقال ولكن لا بأس من سرده كبداية لهذا الحدث، عن ثابت عن أنس قال: استأذن ملك المطر أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له فقال لأم سلمة: احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن علي فوثب حتى دخل فجعل يصعد على منكب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له الملك: أتحبه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: فإن أمتك تقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، قال فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها قال فكنا نسمع يقتل بكربلاء .

وعن ابن عباس قال: كان الحسين جالسا في حجر النبي فقال جبريل: أتحبه؟ فقال: وكيف لا أحبه وهو ثمرة فؤادي! فقال: أما إن أمتك ستقتله، ألا أريك من موضع قبره فقبض قبضة فإذا تربة حمراء .

وعن أم الفضل قالت: أتيت رسول الله فقلت إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضوا من أعضائك، قال: تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فتكفلينه، فولدت له فاطمة حسينا فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم، تقول: فأتيت به رسول الله يوما أزوره فأخذه فوضعه على صدره فبال فأصاب البول إزاره فزخخت بيدي على كتفيه _ أي دفعته _ فقال: أوجعت ابني أصلحك الله أو قال رحمك الله، فقلت أعطني إزارك أغسله، فقال: ‘إنما يغسل بول الجارية ويصب على بول الغلام’  .

وقد كان رضي الله عنه أشبه الناس برسول الله من سرته حتى قدمه، ولما حضرت أخيه الوفاة وكان قد سقي السم، حاول الحسين رضي الله عنه أن يستنطق أخيه باسم من يظنه قاتله، فأبى عليه، وكانت أصابع الاتهام تشير إلى بني أمية لأن الشرط الذي بين معاوية والحسن رضي الله عنهما كان يقضي بالخلافة للحسن بعد موت معاوية .

لذلك لما تولى يزيد بن معاوية الخلافة بعد أبيه كان أول ما يهمه ويقلقه هو أخذ البيعة من الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير لما كان لهما من وجاهة وحب لدى عامة المسلمين، وخاصة أن كلاهما قد بايع معاوية مكرهًا، فأمر يزيد والي المدينة وقتها ـ وكان الوليد بن عتبة ـ بأن يأخذ منهما البيعة، ولكنهما استطاعا أن يتخلصا من البيعة بأعذار مختلفة قبلها الوالي ورفض السماع لقول من أشار بإجبارهما على البيعة أو القتل، وعندها توجه كلاهما لمكة للإقامة بها .

وذكر أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والوليد يومئذ أمير المدنية أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما بذي المروة فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول، فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا، وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي .

ولما استقر الحسين بمكة أخذ الناس يترددون عليه ويعظمونه، وأرسل إليه أهل الكوفة يدعونه للحضور والبيعة له وأكثروا عليه في الطلب حتى مال لهم وصدق كلامهم، وأرسل لهم ابن عمه ‘مسلم بن عقيل’، فسار حتى نزل الكوفة، واجتمع الناس عنده يبايعون للحسين حتى اجتمع عنده حوالي عشرين ألفًا، كلهم يبايع على القتال والنصرة .

فوصل الخبر لوالي الكوفة ‘النعمان بن بشير’ وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية، فحاول أن يثني الناس باللين والهدوء فلم يفد ذلك شيئًا معهم وعدوا ذلك ضعفًا منه وازداد التكالب على بيعة الحسين، وعندها أمر يزيد بن معاوية بعزل النعمان بن بشير وتولية عبيد الله بن زياد مكانه لما كان فيه من شدة وقسوة، وكان عبيد الله واليًا على البصرة، فجمعت له الكوفة والبصرة، واشتد عبيد الله على الناس وضيق عليهم واستخدم معهم الترغيب والترهيب حتى يعرف مكان مسلم بن عقيل داعية الحسين، واستطاع بدهائه أن يخذِّل الناس عن مسلم حتى ضيق عليه أمره، وكان ابن زياد قد عزم على من يعرف مكان مسلم بن عقيل أن يدل عليه، وقد ضبط مسلم في بيت فقتل هو وأولاده، وكان مسلم قد اختبأ في منزل عجوز أشفقت عليه، فدل ولدها عليه حتى ينال الجائزة من عبيد الله بن زياد، فقبضوا على مسلم بن عقيل وقتلوه رحمه الله .

وعندما وصل كتاب مسلم بن عقيل للحسين بأن أهل الكوفة قد بايعوه، وقد اجتمع عنده ثمانية عشر ألفًا، أجمع الحسين أمره على الخروج للكوفة مع أهله وخاصته، وحاول المخلصون منعه من الخروج للكوفة، منهم عبد الله بن عباس؛ حيث قال للحسين: ‘خبرني رحمك الله! أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟! فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويستنفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك’ .

وقابله الفرزدق الشاعر، فقال له: ‘قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية!’، وقال له عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث: ‘الناس عبيد الدينار والدرهم؛ فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه’ .

وروى أبو داود الطيالسي في مسنده قال: سمعت الشعبي يقول: كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، قال: أين تريد؟ قال: العراق، ومعه طوامير وكتب، فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم! فقال: إن الله خير نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله ما جعلها لأحد منكم أبدا وما صرفها عنكم إلى الذي هو خير منكم فارجعوا، فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم، قال: فاعتنقه ابن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل …

وقد وقع ما فهمه عبد الله بن عمر من ذلك سواء من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال ويتم له الأمر وقد قال ذلك عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا، وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية فإن أكثر العلماء على أنهم أدعياء، وعلي بن أبي طالب ليس من أهل البيت ومع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله ولا اتسعت يده في البلاد كلها ثم تنكدت عليه الأمور، وأما ابنه الحسن رضي الله عنه فإنه لما جاء في جيوشه وتصافى هو وأهل الشام ورأى أن المصلحة في ترك الخلافة تركها لله عز وجل وصيانة لدماء المسلمين أثابه الله رضي الله عنه .

ولكن الحسين أصر على الذهاب للكوفة، فخرج ومعه أهله وخواصه، وفي الطريق يصل إليه خبر مقتل مسلم بن عقيل فيترحم عليه، ويستكمل المسير، حتى إذا كان على مشارف الكوفة وجد جيوش ابن زياد في انتظاره، وقد منعوا الماء من الحسين ومن معه حتى يهلكوهم عطشًا، ودارت بين الطرفين حوارات طويلة، حيث أصر جيش ابن زياد على أن يأخذ الحسين ومن معه أسرى، والحسين يطلب منهم أن يخلوا سبيله إلى المدينة أو يذهب لأي مكان آخر، وقد همّ زياد بالموافقة على ذلك لولا أن مجرمًا من العرب يقال له: شمر بن ذي الجوشن نهاه عن ذلك، وزين له الباطل، حتى أثناه عن الموافقة، وأصر ابن زيـاد على أسر الحسين ومن معه أو قتالهم .

وفي صباح يوم الجمعة الموافق 10 محرم سنة 61 هـ تدور رحى حرب غير متكافئة بين الطرفين، وينضم بعض الغيورين من جيش ابن زياد للقتال مع الحسين، فانه لما استقل الحسين ذاهبا بعث إليه عبيد الله بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدمهم عمرو بن سعد ابن أبي وقاص وذلك بعدما استعفاه فلم يعفه وقال له إن شئت عفيتك وعزلتك عن ولاية هذه البلاد التي قد استنبتك عليها، فقال: حتى أنظر في أمري، فجعل لا يستشير أحدا إلا نهاه عن المسير إلى الحسين، حتى قال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة: إياك أن تسير إلى الحسين فتعصي ربك وتقطع رحمك فوالله لأن تخرج من سلطان الأرض كلها أحب إليك من أن تلقى الله بدم الحسين، فقال: إني أفعل إن شاء الله تعالى ثم إن عبيد الله بن زياد تهدده وتوعده بالعزل والقتل فسار إلى الحسين فنازله .

وقد حدث الإمام أحمد عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجا من المدينة فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال: يا أبت أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة، فضرب سعد صدر عمر وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي، وهكذا رواه مسلم في صحيحه، وحدث أحمد أيضا عن المطلب عن عمر بن سعد عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: يا أبت الناس يقاتلون على الدنيا وأنت هاهنا، فقال: يا بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا، لا والله حتى أعطى سيفا إن ضربت به مؤمنا نبا عنه وإن ضربت به كافرا قتلته؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‘إن الله يحب الغني الخفي التقى’ وهذا السياق وإن كان عكس الأول إلا أن الظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن معاوية وعلي ويولونه فامتنع سعد من ذلك وأباه أشد الأباء وقنع بما هو فيه من الكفاية والخفاء كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ‘قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه’، وكان عمر بن سعد هذا يحب الإمارة فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير السريـة التي قتلت الحسين بن علي   رضي الله عنه .

فالتقوا بمكان يقال له كربلاء فالتجأ الحسين بن علي وأصحابه إلى مقصبة هنالك وجعلوها منهم بظهر وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث: إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده فيحكم فيه بما شاء، فأبوا عليه واحدة منهن وقالوا: لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبي أن يقدم عليه أبدا وقاتلهم دون ذلك، ولم يفد ذلك في شيء؛ حيث قتل معظم من كان مع الحسين، وبقى الحسين مثخنًا بالجراحات، ولا يجرؤ أحد على قتله، حتى انبعث أشقاهم وهو سنان بن أنس النخعي؛ فحز رأس الحسين رضي الله عنه، وأخذ باقي أهل الحسين وولده علي الملقب بـ ‘زين العابدين’، وكان مريضًا، وسيرهم إلى عبيد الله بن زياد فوضعوا رأس الحسين بين يديه فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه وعنده أنس بن مالك جالس فقال له: يا هذا ارفع قضيبك قد طالما رأيت رسول الله يقبل هذه الثنايا، ثم أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشام إلى يزيد بن معاوية، ويقال إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم:

نفلق هاما من رجال أعزة علينا               وهم كانوا أعق وأظلما

وقيل إنه بكى بكاءً شديدًا عندما رأى الرأس، وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية! لو أني صاحبه لعفوت عنه؛ فرحم الله الحسين .

ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبوية فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناثرة شعرها واضعة كفها على رأسها تبكي وهي تقول ماذا تقولون إن قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي .

وقد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة: من كسوف الشمس يومئذ وهو ضعيف، وتغيير آفاق السماء، ولم ينقلب حجر إلا وجد تحته دم، ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس، وأن الورس استحال رمادا _ وهو نبات كالسمسم لا يكون إلا باليمن يزرع فيبقى عشرين سنة ويستخدم في الصباغة ولعلاج بعض الأمراض _ وأن اللحم صار مثل العلقم، وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة وفي بعضها احتمال وقد مات رسول الله وهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ولم يقع شيء من هذه الأشيـاء، وكذلك الصديق وعمر بن الخطاب قتل شهيدا وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر، وحصر عثمان في داره وقتل بعد ذلك شهيدا، وقتل علي بن أبي طالب شهيدا بعد صلاة الفجر ولم يكن شيء من هذه الأشياء والله أعلم .

وذكر عبد الملك قاضي الكوفة بعد الشعبي قال: كنت عند عبد الملك بقصر الكوفة فجيء برأس مصعب بن الزبير فارتعت لذلك، فقال: مالك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين؛ كنت بهذا القصر مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب بين يديه، ثم رأس عبيد الله بين يدي المختار في هذا المكان، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب في هذا المكان، ثم هذا رأس مصعب، فأمر عبد الملك بهدم ذلك الطاق  سنة سبع ومائة

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً