صفحات منسية

السفهاء يحاولون اغتيال الملك الناصر صلاح الدين

الزمان/ 4 ذي القعدة – 571هـ.

المكان/ ‘إعزاز’ أحد الحصون المجاورة لمدينة حلب.

الموضوع/ محاولة اغتيال الملك الناصر صلاح الدين .

الأحداث/

مفكرة الإسلام :  لما تمهدت البلاد للملك الناصر صلاح الدين يوسف ولم يبق بها رأس للدولة العبيدية برز السلطان الملك الناصر في الجيوش التركية قاصدا البلاد الشامية وذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن زنكي وأخيف سكانها وتضعضعت أركانها واختلف حكامها وفسد نقضها وإبرامها وقصده جمع شملها والإحسان إلى أهلها وأمن سهلها وجبلها ونصرة الإسلام ودفع الطغام وإظهار القرآن وإخفاء سائر الأديان وتكسير الصلبان في رضى الرحمن وإرغام الشيطان فنزل البركة في مستهل صفر وأقام بها حتى اجتمع عليه العسكر واستناب على مصر أخاه أبا بكر ثم سار إلى بلبيس في الثالث عشر من ربيع الأول فدخل مدينة دمشق في يوم الإثنين سلخ ربيع الأول ولم ينتطح فيها عنزان ولا اختلف عليه سيفان ثم إن السلطان عامل الناس بالإحسان وأمر بإبطال ما أحدث بعد نور الدين من المكوس والضرائب وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ولله عاقبة الأمور فلما استقرت له دمشق بحذافيرها نهض إلى حلب مسرعا لما فيها من التخبيط والتخليط واستناب على دمشق أخاه طغتكين بن أيوب الملقب بسيف الإسلام فلما اجتاز حمص أخذ ربضها ولم يشتغل بقلعتها ثم صار إلى حماة فتسلمها من صاحبها عز الدين بن جبريل ثم سار إلى حلب فنزل على جبل جوشن وعجز أهل البلد عن مقاومة الناصر وأعملوا في كيده كل خاطر فأرسلوا أولا إلى شيبان صاحب الحسبة فأرسل نفرا من أصحابه إلى الناصر ليقتلوه فلم يظفر منه بشيء بل قتلوا بعض الأمراء ثم ظهر عليهم فقتلوا عن آخرهم فراسلوا عند ذلك القومص صاحب طرابلس الفرنجي ووعدوه بأموال جزيلة إن هو رحل عنهم الناصر وكان هذا القومص قد أسره نور الدين وهو معتقل عنده مدة عشر سنين ثم افتدى نفسه بمائة ألف دينار وألف أسير من المسلمين وكان لا ينساها لنور الدين بل قصد لحمص ليأخذها _ فانظر إلى مخالفة هؤلاء الأمراء أبسط أمور العقل والمنطق فضلا عن مخالفتهم الشريعة كل ذلك من أجل الملك والتسلط والرئاسة _ فركب إليه السلطان الناصر وقد أرسل السلطان إلى بلده طرابلس سرية فقتلوا وأسروا وغنموا فلما اقترب الناصر منه نكص على عقبيه راجعا إلى بلده ورأى أنه قد أجابهم إلى ما أرادوا منه _ وصدق الله [لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر] الآية _ فلما فصل الناصر إلى حمص لم يكن قد أخذ قلعتها فأخذها قسرا وملكها قهرا ثم كر راجعا إلى حلب فأناله الله في هذه الكرة ما طلب فلما نزل عندها كتب إليهم القاضي الفاضل على لسان السلطان كتابا بليغا فصيحا على يدي الخطيب شمس الدين ذكر فيه ما صنعوا بمصر من كسر الكفر وإزالة المنكر وقمع الفرنج وهدم البدع وما بسط من العدل ونشر من الفضل وما أقامه من الخطب العباسية ببلاد مصر واليمن والنوبة وإفريقية وغير ذلك بكلام بسيط حسن فلما وصلهم الكتاب أساءوا الجواب وقد كانوا كاتبوا صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود أخي نور الدين محمود بن زنكي فبعث إليهم أخاه عز الدين في عساكره وأقبل إليهم في دساكره وانضاف إليهم الحلبيون وقصدوا حماه في غيبة الناصر واشتغاله بقلعة حمص وعمارتها فلما بلغه خبرهم سار إليهم في قلة من جيشه فانتهى إليهم وهم في جحافل كثيرة فواقفوه وطمعوا فيه لقلة من معه وهموا بمناجزته فجعل يداريهم ويدعوهم إلى المصالحة لعل الجيش يلحقونه فأبوا الصلح وأقدموا على القتال فجعل جيشه كردوسا واحدا وذلك يوم الأحد التاسع عشر من رمضان عند قرون حماه وصبر صبرا عظيما وجاء في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه ومعه أخوه فروخ شاه في طائفة من الجيش وقد ترجح دسته عليهم وخلص رعبه إليهم فولوا هنالك هاربين وتولوا منهزمين فأسر من أسر من رؤسهم ونادى أن لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح ثم أطلق من وقع في أسره وسار على الفور إلى حلب وقد انعكس عليهم الحال وآلو إلى شر مآل فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة والمسالمة وهم اليوم يطلبون منه أن يكف عنهم ويرجع على أن ‘المعرة’ و’كفر طاب’ و’ماردين’ له زيادة على مـا بيده من أراضي ‘حماه’ و’حمص’ فقبل ذلك وكف عنهم وحلف على أن لا يغزو بعدها الملك الصالح وأن يدعو له على سائر منابر بلاده فرجع مؤيدا منصورا فلما كان بحماه وصلت إليه رسل الخليفة المستضيء بأمر الله بالخلع السنية والتشريفات العباسية والأعلام السود والتوقيع من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر والشام وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأعوانه وكان يوما مشهودا واستناب على حماه ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود ثم سار إلى حمص فأطلقها إلى ابن عمه ناصر الدين كما كانت من قبله لأبيه شيركوه أسد الدين .

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة  فيها طلب الفرنج من السلطان صلاح الدين وهو مقيم بمرج الصفر أن يهادنهم فأجابهم إلى ذلك لأن الشام كان مجدبا وأرسل جيشه صحبة القاضي الفاضل إلى الديار المصرية ليستغلوا المغل ثم يقبلوا فلما أرسل الجيوش إلى مصر وبقي هو في طائفة يسيرة والله قد تكفل له بالنصر كتب صاحب الموصل سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين إلى جماعة الحلبيين يلومهم على ما وقع بينهم وبين الناصر من المصالحة وقد كان إذ ذاك مشغولا بمحاربة أخيه ومحاصرته وهو عماد الدين زنكي بسنجار _ وليست هذه بفعلة صالحة _ وما كان سبب قتاله لأخيه إلا لكونه أبى طاعة الملك الناصر فاصطلح مع أخيه حين عرف قوة الناصر وناصريه ثم حرض الحلبيين على نقض العهود ونبذها إليه فأرسلوا إليه بالعهود التي عاهدوه عليها ودعوه إليها فاستعان عليهم بالله وأرسل إلى الجيوش المصرية ليقدموا عليه فأقبل صاحب الموصل بعساكره ودساكره واجتمع بابن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وسار في عشرين ألف مقاتل على الخيول المضمرة الجرد الأبابيل وسار نحوهم الناصر وهو كالهزبر الكاسر وإنما معه ألف فارس من الحماة وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ولكن الجيوش المصرية قد خرجوا إليه قاصدين وله ناصرين في جحافل كالجبال فاجتمع الفريقان وتداعوا إلى النزال وذلك في يوم الخميس العاشر من شوال فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حمل الملك الناصر بنفسه الكريمة وكانت بإذن الله الهزيمة وقد كانوا استعانوا بجماعة من الفرنج في حال القتال وهذا ليس من أفعال الأبطال _ بل هي فعلة كل دنيء يوالي الكفر ويعادي الدين ويسل سيفه في سبيل هواه _ وقد وجد السلطان في مخيم السلطان غازي سبتا من الأقفاص التي فيها الطيور المطربة وذلك في مجلس شرابه المسكر _ وكيف من هذا حاله ومسلكه ينتصر _ فلما فرغ الناصر مما غنم أسرع المسير إلى حلب وهو في غاية القوة فوجدهم قد حصنوها فقال المصلحة أن نبادر إلى فتح الحصون التي حول البلد ثم نعود إليهم فلا يمتنع علينا منهم أحد فشرع يفتحها حصنا حصنا ويهدم أركان دولتهم ركنا ركنا ففتح ‘مراغة’ و’منبج’ .

ثم سار إلى ‘إعزاز’ فأرسل الحلبيون إلى سنان فأرسل جماعة لقتل السلطان فدخل جماعة منهم في جيشه في زي الجند فقاتلوا أشد القتال حتى اختلطوا بهم فوجودا ذات يوم فرصة والسلطان ظاهر للناس فحمل عليه واحد منهم فضربه بسكين على رأسه فإذا هو محترس منهم باللامة فسلمه الله غير أن السكين مرت بخده فجرحته جرحا هينا ثم أخذ الفداوي رأس السلطان فوضعه إلى الأرض ليذبحه ومن حوله قد أخذتهم دهشة ثم ثاب إليهم عقلهم فبادروا إلى الفداوى فقتلوه وقطعوه ثم هجم عليه آخر في الساعة الراهنة فقتل ثم هجم آخر على بعض الأمراء فقتل أيضا ثم هرب الرابع فأدرك فقتل وبطل القتال ذلك اليوم ثم صمم السلطان على البلد ففتحها وأقطعها ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب وقد اشتد حنقه على أهل حلب لما أرسلوا إليه من الفداوية لقتله وإقدامهم على ذلك منه فجاء فنزل تجاه البلد على جبل جوشن وضربت خيمته على رأس البادوقية وذلك في خامس عشر ذي الحجة وجبى الأموال وأخذ الخراج من القرى ومنع أن يدخل البلد شيء أو يخرج منه أحد واستمر محاصرا لها حتى انسلخت السنة

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً