الزمان / 22 ذي القعدة – 403هـ
المكان / بغداد – العراق .
الموضوع / وفاة القاضي أبو بكر الباقلاني
ترجمته /
مفكرة الإسلام : أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني رأس المتكلمين على مذهب الشافعي المعروف بالباقلاني البصري المتكلم المشهور، والباقلاني بفتح الباء الموحدة وبعد الألف قاف مكسورة ثم لام ألف وبعدها نون هذه النسبة إلى الباقلي، وفيه لغتان: من شدد اللام قصر الألف، ومن خففها مد الألف فقال باقلاء وهذه النسبة شاذة لأجل زيادة النون فيها وهو نظير قولهم في النسبة إلى صنعاء صنعاني وإلى بهراء بهراني، وقد أنكر الحريري هذه النسبة وقال من قصر الباقلي قال في النسبة إليه باقلي ومن مد قال في النسب إليه باقلاوي وباقلائي ولا يقاس على صنعاء وبهراء لأن ذلك شاذ لا يعرج إليه والسمعاني ما أنكر النسبة الأولى والله اعلم بالصواب .
وكان من أكثر الناس كلاما وتصنيفا في الكلام يقال إنه كان لا ينام كل ليلة حتى يكتب عشرين ورقة وذلك مدة طويلة من عمره فانتشرت عنه تصانيف كثيرة منها ‘التبصرة’ و’دقائق الحقائق’ و’التمهيد في أصول الفقه’ و’شرح الإبانة’ وغير ذلك من المجامع الكبار والصغار، ومن أحسنها كتابه في الرد على الباطنية الذي سماه ‘كشف الأسرار وهتك الأستار’، وقد اختلفوا في مذهبه في الفروع فقيل شافعي وقيل مالكي حكى ذلك عنه أبو ذر الهروي، وقيل إنه كان يكتب على الفتاوى كتبه محمد بن الطيب الحنبلي وهذا غريب جدا،
كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري _ والأشعري بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها راء هذه النسبة إلى أشعر واسمه نبت بن أدد بن زيد بن يشجب وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه _ ومؤيدا لاعتقاده وناصرا لطريقته وكان أبو الحسن الأشعري أولا معتزليا ثم تاب من ذلك في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ورقي كرسيا ونادى بأعلى صوته من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم، وكان الأشعري صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة، قال أبو بكر الصيرفي كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم .
وقد كان الباقلاني في غاية الذكاء والفطنة ذكر الخطيب وغيره عنه أن عضد الدولة بعثه في رسالة إلى ملك الروم فلما وصل إلى الملك قيل له ليقبل الأرض بين يديه فلم يقبل فقيل لا سبيل إلى الدخول إلا مع تقبيل الأرض فأصر على الامتناع فصنع الملك بابا صغيرا يدخل منه القاضي منحنيا ليوهم الحاضرين أنه قبل الأرض فلما رأى القاضي الباب فهم أن مراده أن ينحني له كهيئة الراكع لله عز وجل فأدار إسته إلى الملك ودخل الباب بظهره يمشي إليه القهقرى فلما وصل إليه انفتل فسلم عليه فعرف الملك ذكاءه ومكانه من العلم والفهم فعظمه، ويقال إن الملك أحضر بين يديه آلة الطرب المسماة بالأرغل ليستفز عقله بها فلما سمعها الباقلاني خاف على نفسه أن يظهر منه حركة ناقصة بحضرة الملك فجعل لا يألوا جهدا أن جرح رجله حتى خرج منها الدم الكثير فاشتغل بالألم عن الطرب ولم يظهر عليه شيء من النقص والخفة فعجب الملك من ذلك، ثم إن الملك استكشف الأمر فإذا هو قد جرح نفسه بما أشغله عن الطرب فتحقق الملك من وفور همته وعلو عزيمته فإن هذه الآلة لا يسمعها أحد إلا طرب شاء أم أبى .
وقد سأله بعض الأساقفة بحضرة ملكهم فقال ما فعلت زوجة نبيكم وما كان من أمرها بما رميت به من الإفك فقال الباقلاني مجيبا له على البديهة هما امرأتان ذكرتا بسوء مريم وعائشة فبرأهما الله عز وجل وكانت عائشة ذات زوج ولم تأت بولد وأتت مريم بولد ولم يكن لهـا زوج _ يعني أن عائشة أولى بالبراءة من مريم وكلاهما بريئة مما قيل فيها فإن تطرق في الذهن الفاسد احتمال ريبة إلى هذه فهو إلى تلك أسرع _ وهما بحمد الله منزهتان مبرأتان من السماء بوحي الله عز وجل .
وقد سمع الباقلاني الحديث من أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد بن ماسي وغيرهما، وقد قبله الدارقطني يوما وقال هذا يرد على أهل الأهواء باطلهم ودعا له .
وسكن الباقلاني بغداد وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام وغيره وكان في علمه أوحد زمانه وانتهت إليه الرياسة في مذهبه، وكان موصوفا بجودة الاستنباط وسرعة الجواب وسماع الحديث وكان كثير التطويل في المناظرة مشهورا بذلك عند الجماعة؛ وجرى يوما بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة فأكثر القاضي أبو بكر الباقلاني فيها الكلام ووسع العبارة وزاد في الإسهاب ثم التفت إلى الحاضرين وقال اشهدوا علي أنه إن أعاد ما قلت لا غير لم أطالبه بالجواب، فقال الهاروني اشهدوا علي أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال .
وتوفي القاضي أبو بكر المذكور آخر يوم السبت ودفن يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد رحمه الله تعالى وصلى عليه ابنه الحسن ودفنه في داره بدرب المجوس ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب