الزمان/ 20 شوال – 190هـ
المكان / مدينة هرقلة المقدسة ـ بلاد الروم.
الموضوع / هارون الرشيد يفتح أعظم مدن الروم انتقامًا من غدر نقفور كلب الروم.
الأحداث /
مفكرة الإسلام : إنها صفحة من صفحات العزة والكرامة التي تضيء ظلمة الواقع الأليم المخضب بدماء المستضعفين والمساكين من أبناء هذه الأمة المنكوبة بكيد عدوها وخذلان أبناءها، صفحة من الزمن الجميل الذي كانت فيه للإسلام دولة وللمسلمين ريادة وللأمة قيادة، وهي ليست للسمر وقطع الطريق بالقصص وإنما هي للاعتبار والتدبر للسير على نفس الدرب.
بلغت الدولة الإسلامية أوج قوتها واتساعها في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد وامتدت النهضة الحضارية في شتى فروع المعرفة هذا بالإضافة على القوة العسكرية الجرارة الكاسحة التي لا يقوم لها أحد، وفي صدر الإسلام كانت هناك قوتان كبيرتان في العالم دولة الفرس ودولة الروم، واستطاع المسلمون أن يزيلوا دولة الفرس من الوجود بالكلية ويمحوها من على وجه الأرض لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم بتمزيق ملكهم، أما دولة الروم فثبتت في الوجود لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ولكنهم طردوا من الشام بالكلية وصارت دولتهم في آسيا الصغرى التي عرفت بعد ذلك بالأناضول وعاصمتهم القسطنطينية، وقد ضعفوا عن المسلمين ولم يجسروا على العدوان على المسلمين.
في عهد الرشيد كان يملك أمر الروم ملكة أسمها [إريني] وكانت تنوب عن ابنها قسطنطين السادس لصغره وقد اتفقت هذه المرأة مع الرشيد على الهدنة ودفع الجزية لما رأت ضعفها وقوة المسلمين وفي نفس الوقت كان عليها خطر شديد من ناحية الغرب من ملك نصراني آخر وهو شارلمان الطامع في أملاكها، وظلت هذه الملكة هكذا فترة من الزمان حتى اشتد ساعد ابنها قسطنطين واستقل بالحكم وبدا منه أعمال متهورة ستضر بالصالح العام؛ فقامت أمه إيريني بسمل عينيه حتى لا يصلح للحكم وعادت هي مرة أخرى للحكم واستمرت في دفع الجزية للمسلمين.
أثارت فعلة إريني هذه الكثيرين في القسطنطينية فنهضت عليها عصابة رومية بقيادة نقفور وكان يعمل كاتبًا لدى إريني وخلعها من الملك وأصبح نقفور ملكًا على الروم، فكان أول ما فعله هو أن عقد معاهدة مع شارلمان عينت فيها تخوم المملكتين ومعاهدة سلام وأمان من هذا الجانب، ثم كتب بعدها نقفور لهارون الرشيد يقول له [من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مكان البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقيًا بحمل أمثاله إليها، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك] فلما قرأ الرشيد الرسالة استشاط غضبًا حتى أن أحدًا لم يجرؤ على محادثته ثم أخذ الرشيد الرسالة وكتب على ظهرها [بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يابن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام].
أعد هارون الرشيد من يومه جيوشًا جرارة قادها بنفسه وسار بها إلى بلاد الروم لا يمر على بلد إلا فتحه ولا قرية إلا أخذ بها ففزع نقفور بما دهاه من الهجوم الكاسح فطلب الموادعة ودفع الجزية فقبل منه الرشيد وعاد عنه حتى وصل إلى بلاد الرقة نقض الكلب نقفور العهد وخان الميثاق وكان البرد شديدًا وأوفى نقفور من رجعة الرشيد بهذا الخبر فأحثاك أحد الشعراء وأنشد بين يدي الرشيد أبياتًا تحمل الخبر مكان مطلعها:
نقض الذي أعطيته نقفور وعليه دائرة البوار تدور
فلما فرغ الشاعر من أبياته قال الرشيد: [أوقد فعلها نقفور] فقرر العودة في ظل برد شديد وعظم تكاليف ومؤنة وعندما وصلت الأخبار لنقفور أن الرشيد قادم إليه أعاد العمل بالميثاق وأظهر الطاعة وعجل دفع الجزية فعاد عنه الرشيد.
لما عاد الرشيد كان يخطط في نفسه أنه سيعود مرة أخرى لتأديب هذا الخائن الغادر بعلمه أنه لا يفي بعهد ولا ميثاق وأن غدره سيتكرر، وخطط الرشيد للهجوم على مدينة هرقلة أشرف مدن الروم ومن المدن المقدسة عندهم، ولكن على أن يكون هذا الهجوم في الصيف ليسمح الطقس بذلك، وبالفعل سنة 190 هـ قاد الرشيد جيشًا جرارًا يقدر بـ 135 ألف مقاتل سوى المتطوعين والمجاهدين، واخترق بلاد الروم حتى وصل إلى مدينة هرقلة وضرب عليها حصارًا طويلاً قرابة الشهر حتى سقطت المدينة في 20 شوال سنة 190 هـ ، فأخذ أهلها سبايا وأحرق المدينة تمامًا وهدمها بالكلية ومن المواقف الرائعة أثناء الحصار أنه خرج رجل من فرسان الروم الأبطال ووقف على باب المدينة وطلب من المسلمين أن يخرج له رجل للمبارزة فلم يخرج له أحد فقال الرومي ليخرج لي اثنان ثم ثلاثة حتى وصل إلى أن يطلب من عشرين رجلاً يخرجون له للمبارزة ويكون ذلك من الغد وكان الرشيد في هذا الوقت نائمًا فلما استيقظ وعلم غضب لما لم يخرج له أحد، عندها جاءه المتطوعون، وقالوا له يا أمير المؤمنين أخرج لهذا الكافر رجلاً من عامة المسلمين، فإذا قتله فت ذلك في عضد الروم وإذا قتله الرومي لم يؤثر ذلك في نفوس المسلمين فوافق الرشيد وانتخب المتطوعون منهم رجلاً اسمه [ابن الجزري] وكان من أبطال المسلمين المعروفين عند الروم، وكان مرابطًا على الثغور كثيرًا ما يغير عليهم فلما خرج للمبارزة عرفه الرومي لشهرته بين الرومان، وبدأت المبارزة بينهما وكان كلاهما من الأبطال فلم يقدر أحد منهما على صاحبه، فجاء أظهر ابن الجزري الهرة وفرق أمام الرومي ودخلت الكآبة على المسلمين وفرحت الروم ، وركض الرومي خلف ابن الجزري ليدركه، ولكن ابن الجزري يستدير بفرسه فجأة ويرمي الرومي بسكين كان بيده فيصيب الرومي في رقبته فيهجم ابن الجزري على الرومي ويقتله قبل أن يهوي من على فرسه فكبر المسلمون تكبيرًا شديدًا وأمر الرشيد بصب الأموال على ابن الجزري، ولكنه رفض أخذ درهمًا واحدًا لأنه كان يقاتل في سبيل الله وابتغاء الثواب من الله عز وجل وحده