الزمان/ الاثنين 14رمضان – 145هـ
المكان / المدينة النبوية – الحجاز
الموضوع / اانتهاء حركة النفس الزكية بقتل محمد بن عبد الله حسن الطالبي
الأحداث /
مفكرة الإسلام : إن الله عز وجل قد وضع مقدمات لنتائج وأسباباً لمسببات وسنناً كونية لا تتبدل ولا تتغير إلا بإذن الله عز وجل من أخذ بتلك الأسباب وسلك تكل المقدمات وصل للمسببات والنتائج حتى يقطع الطريق على هؤلاء الكسالي والمتواكلين الذين ينتظرون نصراً بلا عمل وفوزاً بلا سعي وسماءاً تمطر عليهم ذهباً وفضة , صفحتنا تلك مثال حي على إرادة التغيير دون اتخاذ العدة اللازمة لذلك , وإن تاريخ حركات التغيير ليعتبر باباً مستقلاً بذاته في التاريخ يجب دراسته والاستفادة منه وبيان أسباب نجاح وفشل بعض الحركات إن كنا نأمل في تغيير واقع ضخم بعيد كل البعد عن هدي الإسلام وصورة المجتمع المسلم المرجوة .
منذ أن خرج الحسين بن علي رضي الله عنهما على الخليفة الأموي يزيد بن معاوية وكأنها قد أصبحت سنة في البيت الطالبي يقوم بها من الحين للآخر رجال منهم فلقد أعقب الحسين حفيده زيد الخروج على هشام بن عبد الملك وانتهت كلتا الحركتين بقتل قائدها وتلي ذلك عبر التاريخ الإسلامي محاولات كثيرة للخروج على الحكم الذي اعتبره الطالبيون ظالماً ومخالفاً للكتاب والسنة وحركتنا تلك التي نؤرخ لها تعد أقوى حركات التغيير الطالبية والتي كادت أن تحقق ما قامت من أجله .
عندما قام العباسيون بدعوتهم لإزالة الأمويين رفعوا شعاراً يجمع الناس كلهم تحته على اختلاف مشاريعهم وأهوائهم وهو شعار الدعوة لمن يرضونه من آل محمد صلى الله عليه وسلم وساعد على ذلك العلاقة الطيبة بين البيت العباسي والبيت الطالبي وأن أصل دعوة العباسيين كانت بيد أبي هاشم بن محمد بن الحنفية ولم يكن له عقب فلم أحس بدنو أجله نقل الإمامة وشيعته إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس , وعندما تنجح الحركة العباسية وتزيل دولة بني أمية يفاجئ الطالبيون أن الدولة والحكم أصبح عباسياً محضاً فبدأ الطالبيون في المطالبة بحقهم في الحكم ولكن لم يظهر منهم شئ خلال حكم الخليفة العباسي الأول المعروف بالسفاح وإنما بدأ العمل بالحركة عند استلام أبي جعفر المنصور للأمر , حيث امتنع محمد بن عبد الله بن حسن وأخوه إبراهيم عن البيعة وكان هذا إيذاناً ببدء الحركة .
من هو قائد الحركة ؟
هو محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية لعلمه وورعه وعبادته وزهده والمسمى بصريح قريش لأن أمه وجداته كلهن عربيات لم تكن واحدة منهن من الجواري , كان ضخماً أسوداً شجاعاً عابداً زاهداً دنياً محبوباً عند الناس وهو أهيب في صدورهم من الأسد وكانت العيون والظنون كلها تتجه إليه عندما بدأ العباسيون دعوتهم للرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم حتى أنه ثبت تاريخياً أن الناس قد بايعوه سراً أيام ملك مروان بن محمد آخر الأمويين وكان من ضمن الذين بايعون أبو جعفر المنصور نفسه , فلا عجب إذا أن يكون مثل هذا الرجل ممن يقود تلك الحركة للتغيير حتى أنه نفسه وتحت ضغط أتباعه قد اعتقد أنه المهدي المذكور في الحديث لمواطأة اسمه لاسم النبي ولأنه من نسل فاطمة حتى شاع ذلك بين الناس فعلاً وصدقوه لذلك حاول أبو جعفر المنصور القيام بسياسة مضادة فأطلق على ولده لقب المهدي حتى عرف بعد ذلك بهذا اللقب وغلب على اسمه الحقيقي .
عندما رفض محمد وإبراهيم مبايعة أبي جعفر المنصور ألح في طلبهما وكلف والي المدينة زياد بن عبيد الله الحارثي بالبحث عنهما وإحضارهما ولكن زياداً تساهل لخوفه من أن تتلوث يداه بدمائهما فعزله المنصور وولى مكانه محمد بن عبد الله القسري وزوده بالمال اللازم لذلك ولكنه أبطأ في البحث عنهما لنفس السبب السابق فعزله المنصور وولى مكانه أعرابياً جلفاً غير معلوم ليتفانى في الطاعة وهو ‘رياح بن عثمان المري ‘ فكان أول ما فعله هو أن قام بأخذ عبد الله بن حسن وباقي أخوته وأولاده وباقي آل الحسن فحبسهم في السجن ولكن محمداً وإبراهيم بقياً مختفيان وبالغا في الاختفاء والهروب , فلجأ عندها المنصور الداهية للحيلة والدهاء في استخراج محمد بن عبد الله وفي نفس الوقت شدد العذاب على آل الحسن حتى مات تحت التعذيب أخو عبد الله بن حسن لأمه وهو محمد العثماني ثم مات محمد بن إبراهيم بن حسن وعلي بن حسن بن حسن وكاتب المنصور النفس الزكية مظهراً أن هذا الرسائل من قواد الجيش العباسي الذين يتظاهرون بالتأييد للنفس الزكية وصدق النفس الزكية الكلام وهذا دعا أبا جعفر المنصور لأن يقول ‘استخرجت الثعلب من جحره’ .
بعد رحلة طويلة من الاختفاء والهروب مع المعاناة النفسية لما لحق بالأهل والعشيرة وتحت ضغط الأتباع تعجل محمد الخروج في المدينة وذلك قبل الموعد المقرر والمتفق عليه مع أخيه إبراهيم الذي سيخرج في البصرة ,وهذا العجلة عادة ما تتسبب في فشل الحركة بأسرها فخرج محمد في المدينة – والتي هي أصل الأماكن للثورات لوجود البيت الطالبي بفرعيه الحسني والحسيني فيه ولغلبة سيرة أبي بكر وعمر على أهلها – واستولى على مقاليد الأمور فيها في آخر شهر جمادى الآخرة وحبس واليها ‘رياح المري’ وأخذ البيعة من أهلها في المسجد النبوي ويروى أن الإمام مالك أفتى للناس بجواز ذلك وأن بيعتهم للمنصور بيعة مكره والغالب أن هذا لا يصح والصواب أن المنصور ضرب مالكاً على فتواه بعدم انعقاد طلاق المكره خوفاً من أن يتخذها الناس وسيلة للنكوث عن بيعته , ووصلت الأخبار للمنصور بخروج محمد في المدينة وكان المنصور لا يقدم على عمل حتى يستشير ذوي الكفاءات والمهارات والخبرة فيعمل بمشورة أصحابه ويرسل جيشاً بقيادة ابن أخيه وولي عهده من بعده – وقد خلعه بعد ذلك – عيسى بن موسى لمحاصرة المدينة .
عندما يعلم محمد بقدوم جيش المنصور يجمع أصحابه لاستشارتهم فيشير بعضهم بالخروج إلى مصر للتحصن بالأموال والرجال وهذا رأي سديد حكيم ولكن صوت العاطفة يغلب صوت العقل ويرفض الخروج من المدينة عملاً بالحديث ‘رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة’ وهذا عمل في غير محله , وصل جيش المنصور إلى حدود المدينة وألقى عليها الحصار وأرسل قائد الجيش عيسى بن موسى يستميل زعماء المدينة ويعرض على أهلها الأمان وهذا أدى لأن يتخلى الكثير عن النفس الزكية في أحرج اللحظات ودارت مفاوضات ورسائل بين الطرفين انتهت إلى حتمية القتال وقد كان في يوم الاثنين 14 رمضان 145هـ ودارت رحى حرب غير متكافئة ولكن من ثبت مع النفس الزكية كانوا من الأبطال الكمأة الذي يقدر الواحد منهم بالمئات وعلى رأسهم النفس الزكية والذي قتل بسيفه في تلك المعركة سبعين رجلاً وشعر ابن خضير ‘مساعد النفس الزكية’ بقرب الهزيمة فدخل المدينة مسرعاً وقتل رياح المري وأخاه ابن مسلم المري الذين سفكوا دم آل الحسن وأحرق ديوان الأسماء المشتركة مع النفس الزكية حتى لا يعرفوا ثم عرض على النفس الزكية أن يخرج لمكة ولكنه يرفض ويواصل القتال حتى يبقى وحده ويتكاثر عليه الناس فيقتلوه ووصلت الأخبار للمنصور أن النفس الزكية قد فر وهرب فقال المنصور ‘لا نحن من أهل بيت لا نفر ‘ .
على الطرف الآخر كان إبراهيم قد خرج في البصرة على كره ومضض لأن أخاه طلب منه الخروج قبل الميعاد المعين لذلك ولكنه يضبط الأمور فيها وينضم إليه أبطال العراق وساداتهم وعلمائهم حتى أفتى أبو حنيفة بجواز الخروج معه وتبرع له بالمال الكثير ونزل المنصور بنفسه على رأس جيش عند الكوفة حتى لا ينضموا إلى البصرة ولو كان إبراهيم صاحب خبرة عسكرية لأمكن له وبسهوله القضاء على المنصور وجيشه , واستطاع إبراهيم أن يستولي على الأهواز وفارس وواسط وفي خضم الأحداث المتلاحقة جاءت الأخبار بمصرع النفس الزكية لأخيه إبراهيم فكسره ذلك بشدة وأثر على نفسيته وفي هذه الأثناء أرسل المنصور إلى جيشه في المدينة أن يأتي مسرعاً إلى البصرة وأرسل إلى قائد آخر اسمه خازم بن خزيمة أن يأتي لاستعادة الأهواز مرة أخرى , وهنا قرر إبراهيم التوجيه بجيوشه إلى الكوفة للاستيلاء عليها وبذلك يصبح العراق كله تحت رايته ولكن جيشه رغم ضخامته وسلاحه القوي إلا أن الاختلاف دب بين صفوف القادة بسبب الاختلاف على خطة القتال والتي غلب عليها أيضاً العاطفة والديانة .
المهم التقى الجيشان عند منطقة ‘باخمرا’ قريباً من الكوفة وكان النصر في بادي الأمر حليفاً لإبراهيم وجيشه وفر معظم قادة المنصور وعندما علم المنصور بذلك أعد الرواحل والإبل للهروب ولكن إبراهيم ارتكب غلطة تنظيمية في الحرب أدت في النهاية لهزيمة جيشه وقتله هو نفسه حيث أمر جنوده ألا يتبعوا أحد من الفارين عملاً بالقاعدة الشرعية في ذلك عند القتال بين المسلمين فإبراهيم أولاً وأخيراً مسلماً يعرف شرع ربه وعندها يرجع جيش إبراهيم ويكف عن ملاحقة الفارين وعندها انقلبت موازين القوى وقويت نفوس جيش المنصور وظنوا أن جيش إبراهيم رجع مهزوماً وتحمسوا في القتال .
كان المنصور قد سمع بأخبار هزيمة جيشه فأعد الإبل للهروب ولكن انكشفت الحقيقة وهي انتصار جيوشه على جيش إبراهيم الذي قتل في أرض المعركة بسهم جاءه في عنقه فنزل عن فرسه وهو يقول ‘وكان أمر الله قدراً مقدوراً’ وهكذا انتهت هذه الحركة بمقتل إبراهيم وتفرق أصحابه بعد الهزيمة ذلك لأنها حركة مرتبطة بشخص قائدها وكل حركة ترتبط بشخص أو قائد فيه حتماً دعوة وحركة ذاهبة وفانية لفناء البشر وعدم بقاءهم وأي حركة تريد أن تنجح وتستمر لابد لها من توافر كوادر وقيادات على كافة المستويات لتضمن التواصل