الزمان / 27 ربيع الآخر – 543هـ [هناك خلاف بين المؤرخين وكتاب السير خاصة فيما يتعلق بشهري ربيع ودائماً يحدث خلط بين الأول والآخر وهذا ما حدث في تاريخ وفاة القاضي ابن العربي حيث ذهب البعض مثل الدكتور ‘عمار طالبي’ أنه قد توفى في ربيع الأول ووافقه على ذلك بعض المؤرخين والغالبية قالت أنه توفى في ربيع الآخر من هؤلاء الذهبي في سير أعلام النبلاء والمقري في نفح الطيب وابن خلكان في وفيات الأعيان وهذا هو الراجح لأن رواية تلميذه ابن بشكوال في كتاب الصلة صريحة في أن الوفاة كانت في آخر ربيع الآخر والراجح أنها كانت في 27 ربيع الآخر] .
المكان / فاس – المغرب
الموضوع / وفاة القاضي المجتهد الكبير أبي بكر بن العربي خاتم علماء الأندلس .
الأحداث /
إن دين الإسلام صاغ دائرة معارف هائلة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً وأصبحت موسوعة الثقافة الإسلامية نافذة عالمية لكل البشر إلى قيام الساعة , ولكن هذه الثقافة الإسلامية وسعت بين دفاتها عقولاً وأمما ومدارس واتجاهات وكان باب الاجتهاد مفتوحاً لمن ملك أدواته فدخل هذه الثقافة ما ليس فيها ولا على نهجها وخاصة فيما يتعلق بالروايات التاريخية التي صارت معبراً لتأييد حزب على آخر ورأي وفكرة على نقيضها وهكذا , ولكن الله عز وجل الذي تعهد بحفظ ذكره ووصية قيض لهذه الثقافة من ينافح عنها وينفي عنها الحنث والعبث والدخيل والتضليل وصاحبنا أحد هؤلاء الذين دافعوا عن ثقافتنا الإسلامية .
هو القاضي الكبير محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافري الأشبيلي المالكي الإمام أبي بكر بن العربي , كان أبوه عبد الله بن محمد من العلماء الكبار ومن أصحاب ابن حزم الظاهري أما صاحبنا هذا فمن أشد منتقدي الظاهرية وخاصة ابن حزم , ولد أبو بكر في 22 شعبان سنة 468هـ في بيت علم ورياسة في أحضان أسرة كانت لها خطوة لدى المعتمد بن عباد أشهر ملوك دولة الطوائف , رحل هو أبوه لطلب العلم في المشرق وذلك ابتداءاً من سنة 485هـ فدخلوا بغداد وتفقه على يد علماءها وأثناء رحلة طلب العلم مات أبوه سنة 493هـ فدفنه في الأسكندرية وواصل رحلته العلمية ثم عاد إلى بلده إشبيلية سنة 495هـ بعد رحلة علم استمرت عشر سنوات كان فيها شديد الحرص على طلب العلم وحضور مجالس العلماء والانقطاع لهم على الرغم من صغر سنه التي كانت دون السابعة عشر وخلال تلك الفترة أحب رواية الحديث فأخذ في الجلوس إلى المحدثين حتى أكثر من رواية الحديث وصار من جملتهم , وحج سنة 489هـ وجاور مكة فترة للعبادة والتبتل وقال عن نفسه في تلك الفترة ‘وكنت أشرب من ماء زمزم كثيراً , وكلما شربت نوت العلم والإيمان ففتح الله لي ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم , ونسيت أن أشربه للعمل ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما ولم يقدر فكان صفوي للعلم أكثر منه للعمل وأسأل الله الحفظ والتوفيق برحمته’ .
عندما عاد من رحلته العلمية صارت له مكانة عظيمة بين أهل إشبيلية وحاكمها فجلس للتعليم والتدريس وذاع صيته حتى قصده الفقهاء من كل مكان , ولما عينه الحاكم قاضياً على إشبيلية كان شديد الهيبة والسطوة على المفسدين والفاسقين وجاهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا مما يثقل على قلوب الحكام فعزل عن منصبه وكان ذلك فاتحة خير عليه حيث تفرغ للعلم والتأليف والتدريس حتى بلغ مرتبة الاجتهاد كما ذهب لذلك كثير ممن روى عنه , وكانت للقاضي أبي بكر مؤلفات كثيرة جداً في شتى فروع العلم الشرعي في الأصول والفروع منها على سبيل المثال لا الحصر في التفسير أحكام القرآن وهو أشهر تفسير فقهي وعليه اعتمد القرطبي في تفسيره , وكتاب الناسخ والمنسوخ , وله في علوم الحديث كتاب عارضة الأحوذي في شرح الترمذي وكتاب الأحاديث المسلسلات وله كتب في العقائد والزهد والترغيب وأصول الفقه والفقه حتى كتب في اللغة العربية والنحو والتاريخ والتراجم , فقد كان رحمه الله من العلماء الموسوعيين الكبار حتى أن له كتاباً في التفسير وغيره اسمه ‘أنوار الفجر’ ذكره في عدة مواضع من كتبه وكان يفتخر به ويشيد بأهميته ذكر أنه قد ألفه في عشرين سنة في ثمانين ألف ورقة وقد عثر على هذا الكتاب في خزانة السلطان أبي عناسي في مراكش سنة 731هـ ولكنه ضاع بعد ذلك وتفرق بين أيدي الناس فلم يعثر عليه و أما أشهر كتبه المتداولة حتى الآن هو كتاب ‘العواصم من القواصم’ والذي برأ فيه ساحة الصحابة مما أشاعه عليهم الشيعة في الأحداث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حتى مقتل الحسين رضي الله عنه ويعتبر هذا الكتاب عمدة في الرد عليهم .
أما عن ثناء الناس عليه فقال عنه الذهبي والإمام القاضي المفسر الكبير خاتم علماء الأندلس والذي بلغ رتبة الاجتهاد وقال عنه الشيخ صديق حسن خان إمام في الأصول والفروع سمع ودرس الفقه والأصول وجلس للوعظ والتفسير وصنف في غير فن والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله فأحسن الصبر على ذلك كله , وقال العلامة المقري علم الأعلام الطاهر الأثواب الباهر الأبواب الذي أنسى ذكاء اياس وترك التقليد للقياس وأنتج الفرع من الأصل وغدا في الإسلام أبيض من النصل .
كان أبو بكر العربي من العلماء الذين يشعرون بقضايا أمتهم وحاجات الناس فلقد بنى من حر ماله سوراً حول إشبيليه عندما شعر بخطورة الكيد الصليبي المتربص بهم وأيضا شعر بفساد نظام التدريس والتعليم الشرعي حيث رأى أن نظام التعليم خاطئ فرأى أنه يقتل ملكة الفهم حيث ينتقل من الأعلى للأدنى ومن الواسع للضيق فقال في العواصم : فترى الطالب يعلم القرآن والسنة ثم المدونة ثم وثائق ابن العطار ثم أحكام ابن عبد الله ثم فروع الأقوال فيقال له قال الاشبيلي وقال الطليطي وقال الغرناطي وهكذا حتى يضيق فهم الطالب’ لذلك كان ابن العربي من أشد الناس على الظاهرية وخاصة ابن حزم وطعن كثيراً في ابن حزم وهذا مما أخذ عليه , وقابلته الظاهرية بالمثل فروجوا عليه الأباطيل والأكاذيب فقالوا عنه أنه مداهن للحكام وأنه ضعيف في رواية الحديث إلى غير ذلك من الأكاذيب التي لا تقدح في مكانة العالم الكبير الذي بلغ رتبة الاجتهاد وخلف ورائه مكتبة ضخمة أثرت في الثقافة الإسلامية