صفحات منسية

تحرير الشام

يوم27 ذي القعدة / 1277هـ

المكان/ بلاد الشام.



الموضوع / تدخل سافر وخروج ظاهري لفرنسا من بلاد الشام.

 

الأحداث /


إن التنازل الواحد يجلب تنازلات، والتساهل مع العدو يوجب تساهلات، ومن رضي وخنع اعتاد ذلك، تلك أنسب عبارة يستطيع القلم أن يسطرها قبل سرد هذه الأحداث والتي تشبه إلى حد بعيد ما نراه من تدخلات هنا وهناك في سياسات دول يدعي زعماؤها السيادة الكاملة والحرية التامة وامتلاك القرار وبيان ذلك أنه لما حسمت جميع المشاكل واستتب الأمن نوعا في ولايتي الإفلاق والبغدان وولايات الصرب والجبل الأسود بتساهل الباب العالي _ الدولة العثمانية _ واعترافه بانتخاب ‘كوزا’ واليا لولايتي الإفلاق والبغدان معا وبتولية ‘ميشيل’ أميرا على الصرب بعد والده ‘ميلوش’ الذي انتخبه نواب الأهالي في جمعيتهم العمومية المسماة ‘اسكو بشينا’ وذلك حتى لا يدع الباب العالي للدول الأوروبية سبيلا للتدخل _ ويعجب المرء!! لا تتدخلوا وسنفعل كل ما تتمناه أنفسكم _ فلما كان لهم ما أرادوا هناك وجه أرباب الغايات مساعيهم إلى بلاد الشام لاستعدادها لقبول بذور الفساد أكثر من باقي الولايات بسبب تعدد الجنسيات واختلافهم في الدين والمشرب ووجود العداوة بينهم خصوصا بين المارونية والدروز _ فتأمل رحمك الله تنازل الباب العالي لمنع تدخل الصليبيين في بلاد البلقان فإذا بهم يتآمرون للتدخل في عقر بلاد الإسلام _، فأقامت بينهم أسباب الشقاق ودواعي الخلاف إلى أن تعدت المارونية بالقتل على الدروز في أواخر سنة 1859م وقام الدروز للأخذ بالثأر، ثم امتدت الفتنة إلى جميع أنحاء الشام وكثر القتل والنهب وحصلت عدة مذابح في طرابلس وصيدا واللاذقية وزحلة ودير القمر ومنها إلى مدينة دمشق، وقام الأمير عبد القادر الجزائري بحماية كثير من المسيحيين فكافأته فرنسا بمنحه وسام ‘اللجيون دونور’ من درجة ‘جران كوردون’ _ ويالها من مكافأة!! فهناك الكثيرون ممن يرضون برضى الأسياد عنهم وكفى بذلك الرضى وساما على الصدور أو تاجا على الرؤوس _ واتهم الأوروبيون عثمان بك قائمقام ‘حاصبيا’ بتسهيل المذبحة وكذلك اتهموا أحمد باشا والي دمشق بمساعدة الدروز وقتل كل من لجأ إلى دار الحكومة من المسيحيين وأذاعوا هذه المفتريات على رجال الدولة في جميع الأرجاء تمويها وتغريرا ليكون لهم سبب مقبول لدى الرأي العام في بلادهم إذا تدخلوا فعليا وجر تدخلهم إلى حرب عظيمة كحرب ‘القرم’ _ وما أشبه هذا بما نراه ونشاهده ونسمعه اليوم وصدق الله العظيم حين قال عنهم [تشابهت قلوبهم] _ فعرضت فرنسا على الدول أنها مستعدة لإرسال جيوشها إلى بلاد الشام لقمع الفتنة ومجازاة مثيريها وحماية المارونية فلم تقبل الدول هذا الاقتراح بادئ الرأي خوفا من عدم خروج فرنسا من الشام لو احتلتها عسكريا وضحت بأموالها ورجالها، فلما حصلت مذبحة دمشق التي قتل فيها نحو ستة آلاف نسمة على ما يقولون أرسلت جميع الدول إلى الباب العالي تهدده بالتدخل إن لم يضع حدا لهذه الفتن لكن بلاغاتهم لم تكن مشتركة لعدم اتحادهم، فجمع فؤاد باشا جميع الوزراء وأظهر لهم ضرورة تعزيز الجيش العثماني بهذه البلاد وإخماد الثورة قبل أن تتفق الدول على التدخل عسكريا فوافقوا على رأيه بالإجماع وانتدب هو لقيادة الجيوش ومجازاة كل من تظهر إدانته فسافر على جناح السرعة ووصل إلى بيروت في 28 ذي الحجة سنة 1276هـ 17 يوليو سنة 1860م ومنها قصد مدينة دمشق في خمسة آلاف جندي وشكل مجلسا حربيا وحاكم رؤساء الفتنة بكل صرامة وشنق كثيرا ممن ظهرت لهم يد عاملة فيها سواء كان من الدروز أو المسيحيين أو المسلمين أو من نفس كبار مستخدمي الحكومة وبذل همته في إعادة الأمن إلى البلاد، وفي أثناء ذلك اتفقت الدول على أن ترسل فرنسا إلى الشام ستة آلاف مقاتل لمساعدة الجيش العثماني على إعادة السكينة لهذه المنطقة، وفي 22 محرم سنة 1277هـ 10 أغسطس سنة 1860م نزلت الجنود الفرنساوية إلى بيروت تحت قيادة الجنرال ‘دوبول’ فوجدت السكينة ضاربة بأطنابها في ربوع الشام ولم تجد سبيلا لعمل أي حركة عسكرية لإظهار شجاعتها ونظامها، ومما يدل على تعنت الدول وتعمدهم مشاركة الدولة في أمورها الداخلية على أي حال اتفاقها في باريس بمقتضى اتفاق تاريخه 15 محرم 1277هـ 3 أغسطس 1860م على إمكانية إبلاغ الجيش المحتل اثني عشر ألف مقاتل مع بقاءه إلى أن يستتب الأمن ويجازى الساعون بالفساد على ما جنت أيديهم كأن الدولة أهملت في مجازاتهم وفي إرجاع السكينة إلى البلاد مع انه لم يكن ثمة ضرورة لإرسال جيش أوروبي إلى الشام مطلقا لقيام فؤاد باشا بمهمته أحسن قيام ومع ذلك صمم القائد الفرنسي على إرسال فرقة من ألف وخمسمائة جندي إلى جبل لبنان لإعادة المارونية إلى بلادهم وحمايتهم من تعدي الدروز واستمر الاحتلال الفرنسي إلى 27 ذي القعدة 1277هـ 6 يونيو سنة 1861م وفي هذا التاريخ انسحبت الجيوش الفرنساوية راجعة إلى بلادها بعد أن أوهمت مسيحيي الشام أنها حمتهم من تعدي المسلمين المتعصبين المتوحشين على زعمهم، ونسيت فرنسا ما أتته جنودها في بلاد الجزائر من الأعمال الفظيعة التي يأبى القلم تسطيرها خصوصا ما أتاه الجنرال ‘بيليسيه’ من إعدام قبيلة بنسائها وأطفالها حرقا داخل الغار الذي لجئوا إليه ولكن أبت سياسة أوروبا المسيحية إلا التعامي عن كل ما يأتونه مع الشرقيين وتجسيم أقل حادث يحدث في الشرق ولو بإيعازهم ترويجا لسياستهم ونسوا أقوال المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام المسطرة في نسخ الإنجيل المتداولة بين أيدي جميع الطوائف المسيحية القاضية بأن يعامل الإنسان غيره بما يريد أن يعامله الغير به، وفي أثناء ذلك انعقدت بمدينة بيروت لجنة أوروبية مشكلة من مندوبين معينين من قبل الدول الموقعة على معاهدة باريس وبعد مداولات طويلة اتفقوا مع فؤاد باشا على أن يعطوا للمسيحيين الذين حرقت دورهم مبلغ خمسة وسبعين مليون قرش بصفة تعويض وأن يمنح أهالي الجبل حكومة مستقلة تحت سيادة الدولة العلية يكون حاكمها مسيحي المذهب وأن يكون للباب العالي حامية من ثلاثمائة جندي تقيم في حصن على الطريق الموصل من دمشق إلى بيروت، ثم عين بالإجماع من يدعى ‘داود أفندي’ الأرمني الجنس أميرا للجبل لمدة ثلاث سنوات لا يمكن عزله إلا باتفاق الدول وبذلك انتهت أيضا هذه المسألة بحسن مساعي فؤاد باشا _ كما يرى ذلك بعض المؤرخيين _ كما انتهت باقي المسائل التي سبقتها ولو بكيفية مجحفة بحقوق الدولة إلا أنه بهذا التساهل منع تدخل الدول بصفة شديدة!! وألزم فرنسا بسحب جيوشها من الشام!! .
بهذه العبارة أنهى الأستاذ فريد بك المحامي في كتابه تاريخ الدولة العلية العثمانية هذا الحدث ولا أدري بماذا كان سينهيه إن أصرت فرنسا والدول الأوروبية على استباحة البلاد وقتل وتشريد العباد واتهمت فؤاد باشا وجميع وزراءه بمساندة الإرهاب .

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً