صفحات منسية

معركة مرج داهط ـ عودة العصبيات القبلية

يوم 15 ذي الحجة ـ 64 هـ .

المكان / مرج راهط ـ شمال شرق دمشق ـ الشام

 

الموضوع / اقتتال المسلمين فيما بينهم بسبب بيعة ابن الزبير

 

الأحداث /


مقدمة :
عندما جاء دين الإسلام وأشرق نوره على وجه الأرض بكثرة الجاهليات والظلمات والشهوات كان له عدة أولويات بعد توحيد الله عز وجل وإفراده عز وجل بالعبادة والتدبير والقضاء على كل مظاهر الشرك الجليّ منها والخفي، وعلى رأس هذه الأولويات تكوين الجماعة المسلمة الواحدة وتأسيس المجتمع المسلم النقي من كل مظاهر العصبية والقبلية، والخروج من خير القبيلة والعشيرة الضيق الحرج إلى سعة الأمة الكبرى التي تضم تحت لواءها الغريد [لا إله إلا الله] كل من نطق بالشادتين بغض النظر عن جنسه ووطنه ولونه وقبيلته، وقضى الإسلام على كل شعارات الجاهلية والعصبية المنتنة.
ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرصاد لأي محاولة لبعث هذه العصبيات من جديد، كما حدث يوم غزوة المريسيع، وكما حدث مع أبي ذر عندما عيّر بلالاً بأمه السوداء، وكما حدث يوم همّ الأوس والخزرع جناحي الأنصار بالاقتتال بعد تحريض اليهودي اللعين بأشعار يوم بُعاث، وهكذا وقف رسول الله سدًا منيعًا أمام كل هذه المحاولات، وحرص خلفاؤه الراشدون من بعده على ذلك حتى وقعت أحداث الفتنة الكبرى أيام الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وما جرى للأمة بعدها من قتال حتى استقرت الأمور بعد عام الجماعة سنة 41هـ، وخنس شيطان العصبية خلال حكم معاوية، ولكنه ما لبث أن عاد للنشاط وبقوة بعد وفاة يزيد بن معاوية سنة 64هـ، وهذه إحدى جولات هذا الشيطان المريد .
أوضاع الخلافة بعد وفاة يزيد بن معاوية :
عندما مات يزيد بن معاوية كانت أوضاع الأمة الإسلامية في غاية الاضطراب فجيش الشام كان يحاصر مكة ويضرب الكعبة بالمنجنيق لإرغام ابن الزبير المتحصن فيها على الخروج والبيعة ليزيد، وكان ابن الزبير قد خلع يزيد بعد موقعة الحرة، ومقتل أهل المدينة وتابعه أهل الحجاز، فعندما مات يزيد لم يكن من عقبه من يقوم بالخلافة سوى ولده الأكبر معاوية الثاني، وكان رجلاً صالحًا كره هذا الأمر وأجبروه على الخلافة فلم يمكث بها سوى سبعين يومًا مات بعدها رحمه الله .
عندما انفرط عقد الدولة الإسلامية وأصبحت شيعًا مختلفة فأهل الحجاز مع ابن الزبير وأهل الشام مع بني أمية، وأهل العراق متربصون لمن الغلبة، وأهل مصر دائمًا على الحياد الحكم فيها لمن غلب، وهنا بدأ الناس يتطلعون إلى ابن الزبير على اعتبار أنه من كبار الصحابة وقتها، وكان وقتها أفضل أهل زمانه بعد ابن عمر رضي الله عنهما ومن في طبقته مثل أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وغيرهما .
بعد أخذ ورد واضطرابات كثيرة بايع أهل العراق ابن الزبير وبايع أهل مصر كعادتهم مع الغالب وبايع أهل اليمن ابن الزبير ولم يبق إلا الشام .
الأوضاع داخل الشام :
كان أهل الشام قلوبهم وسيوفهم مع بني أمية منذ حادثة مقتل عثمان رضي الله عنه، وظلوا هكذا حتى وفاة يزيد بن معاوية ومن بعده، ولده معاوية الثاني وكان باقي أولاده أحداث أكبرهم خالد في الثامنة عشر من عمره، وعندما بايعت سائر الأمصار لابن الزبير، افترقت الكلمة داخل الشام إلى أهواء مختلفة والشام تنقسم إلى عدة مدن كبار منها :
1 ـ دمشق وعليها الضحاك بن قيس الفهري وكان بمثابة الوزير لمعاوية وزيد ولده، ومدبر الأمور في دولتهما، وكان هواه مع ابن الزبير وبايعه .
2 ـ قنسرين وعليها زفر بن الحرث، وبايع لابن الزبير .
3 ـ حمص وعليها النعمان بن بشير وبايع لابن الزبير .
4 ـ فلسطين وعليها حسان بن بجدل الكلبي وهواه مع خالد بن يزيد لأنه ابن أخته .
5 ـ الأردن وفيها بنو أمية وكبيرهم مروان بن الحكم وقد همّ بمبايعة ابن الزبير لولا ما كان من عبيد الله بن زياد .
بيعة مروان بن الحكم :
مر بنا أن مروان بن الحكم قد همّ بمبايعة ابن الزبير، وأنه سار بالفعل إلى ابن الزبير ليبايعه، ولكن في الطريق التقى مع رجل غير مسار البيعة تمامًا هذا الرجل هو الفظ الغليظ قاتل الحسين عبيد الله بن زياد، وقد كان واليًا على العراق، وبعد وفاة يزيد بن معاوية أخرجه أهل العراق من بين أظهرهم لشدة كرههم له لدوره الأساسي في قتل الحسين رضي الله عنه، وكان عبيد الله بن زياد يخاف من زوال ملك بني أمية لأنه يعلم أنه سيكون أول مقتول فأخذ يحرض مروان بن الحكم على الدعوة لنفسه لأنه شيخ بني أمية ومن كبراء قريش ولا يختلف عليه أهل الشام، فمال موران لذلك، ولكنه قال له ماذا نفعل مع الضحاك بن قيس، ومن بايع لابن الزبير ؟ قال عبيد الله بن زياد [أنا أكفيك أمره].
دخل عبيد الله بن زياد إلى دمشق واجتمع مع الضحاك وأظهر له النصح والمشورة وتقرب إليه وأخذ يزين له أن يدعو لنفسه، وصادف في نفس الوقت حدوث خلاف بين أهل دمشق أنفسهم بين موافق على بيعة ابن الزبير وبين رافض لها، وكادت أن تحدث فتنة بالمسجد الجامع بدمشق، وكل ذلك بتدبير من والي فلسطين [حسان الكلبي] الذي كان يدعو لبني أمية خاصة خالد بن يزيد وهو ابن أخته، واستغل عبيد الله تلك الفتنة في تأكيد الأمر على الضحاك في أن يدعو لنفسه، وبالفعل دعا لنفسه مدة ثلاثة أيام ثم شعر بمكيدة ابن زياد له فرجع عن البيعة لنفسه وعاد لبيعة ابن الزبير فسقط في أعين الناس بالشام .
هذه الاضطرابات واختلاف الأهواء بين أهل الشام ظهرت القبيلة العصبية مرة أخرى وذرت قرنها الخبيث في الأمة وتعصبت قبائل قيس للضحاك وابن الزبير وتعصبت قبائل كلب لبني أمية، وشعر الضحاك بحراجة موقفه وحتى يلملم شعث الناس دعاهم لئن يتخيروا بأنفسهم من يريدون أن يبايعوا له [ابن الزبير/ مروان بن الحكم/ خالد بن يزيد].
كان هناك اختلاف داخل الصف الأموي لم تكون البيعة هل لمروان بن الحكم أم خالد بن يزيد وكان مروان شيخًا وخالد شابًا صغيرًا فرجحت كفة مروان على أن يكون خالد بن يزيد ولي عهده من بعده وبذلك توحد الصف الأموي أمام الضحاك ومن معه مثل النعمان بن بشير ومن بايع لابن الزبير .
معركة مرج داهط :
كان الضحاك يريد أن يمنع وقوع الفتنة داخل الشام فخيّر الناس فيمن يبايعوه وسار بوجوه الناس إلى الأردن ليجتمع مع حسان الكلبي ويتفق الجميع على خليفة يبايعوه، فجاء بعض صحابة الضحاك إليه وقالوا له إن في أعناقنا بيعة لابن الزبير وحسان يدعونا لبيعة ابن أخيه خالد بن يزيد وما يصح ذلك وما ينبغي، فقال لهم الضحاك فما الرأي؟ قالوا له : [الرأي أن تظهر بيعة ابن الزبير ونقاتل من خالفها فإنه أمير المؤمنين الذي يجب طاعته] فوافقهم الضحاك وعاد إلى دمشق ودعا كل من وافق على بيعة ابن الزبير واشتعلت العصبية القبلية بين الناس هناك وتحزب الناس إلى فريقين :
اجتمع عند الضحاك ثلاثون ألف مقاتل تجمعوا عند قرية مرج داهط شمال شرق دمشق على بعد عشرة كليو مترات منها، وأقبل مروان بن الحكم وحسان الكلبي وعبيد الله بن زياد وشيطان الفتنة، ومعهم ثلاثة عشرة ألفًا، وأصبحت العصبية هي اللغة السائدة والصوت الذي لا يعلو عليه صوت واشتعل القتال في 5 ذي الحجة سنة 64 هـ، وكان على أشده حتى أنه استمر عشرين يومًا متصلة وكاد الضحاك أن ينتصر في قتاله، ولكن عبيد الله أشار على مروان بخداع للضحاك بدعوته للمصالحة وقال له أن الحرب خدعة، وأنت وأصحابك على الحق وهم على الباطل فراسل الضحاك في الصلح؛ ولأن الضحاك كان رجلاً صالحًا معدودًا في جملة الصحابة على الراجح فقد قبل وقف المعركة ثم كان الغدر والخيانة من قبل جنود مروان وغدروا بجيش الضحاك وأكثروا فيهم القتال وصبر الضحاك صبرًا بليغًا حتى قتل رحمه الله واستقر ملك الشام لمروان بن الحكم .
الجدير بالذكر أن مروان لم يعش بعد ذلك سوى تسعة شهور، وكان يبكي على نفسه يوم معركة مرج داهط ويقول [بعدما كبرت وضعفت صرت إلى أن أقتل بالسيوف على الملك؟ وأشعلت هذه امعركة نارًا لم تندمل بعدها بين عرب الشام وعرب اليمن امتدت آثارها حتى الفتح الأندلسي وظلت آثارها معقدة حتى وقتنا الحاضر .

هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً