فن الإدارة

الاستراتيجيات الهجومية والدفاعية في التفاوض

محمد أحمد العطار

يقول الدكتور صديق محمد عفيفي: (يسعى المُفاوض في الاستراتيجة الهجومية إلى اتخاذ موقف هجومي، ويكون في الغالب عدوانيًا ومتشددًا، ويلجأ إلى ذلك إذا كان تقويمه للموقف التفاوضي يشعره بالتفوق الكبير، أو لعدم حرصه على إتمام المُفاوضات بنجاح.

وقد يلجأ أيضًا إلى ذلك لتقديره أن البدء بالهجوم يُتيح فرصة أفضل في المُفاوضات، أو كإجراء انتقامي لرد الاعتبار مع عدم الحرص على استثمار العلاقة، أو لإظهار مطالب متطرفة في البداية بحيث إذا تم التنازل عن بعضها أثناء المُفاوضات تكون المحصلة في النهاية طيبة نسبيًّا)، لهذا سوف نتعرف عزيزى القارئ في هذا المقال على:

  1. ما هي الاستراتيجية الهجومية؟
  2. ما هي الاستراتيجية الدفاعية؟
  3. إدارة الأمور بحيث تكون أنت في جانب الهجوم.

أولًا ـ الاستراتيجية الهجومية:

تتجسد هذه الاستراتيجية ببساطة في قيام المُفاوض باتخاذ موقف هجومي منذ البداية أثناء جلسة التفاوض، والذي يعكس تشدده أو إصراره على حدوده المثالية للحصول على أفضل المزايا، وتهدف هذه الاستراتيجية عادة إلى الحصول على مكاسب أكثر، أو الحد من احتمالات تقديم تنازلات للطرف الآخر، أو إلى رد الاعتبار.

إن تطبيق هذه الاستراتيجية يتطلب التمسك والإصرار بالحدود العليا للمُفاوض مع الضغط المستمر؛ لإجبار الطرف الآخر على قبولها، كما تتطلب أيضًا استعمال التهديد بالمقاطعة أو عدم التفاوض.

أ‌-    أهم مظاهر هذه الاستراتيجية ما يلي:

–         موقف هجومي من البداية في الجلسة التفاوضية.

–         سلوك شبه عدواني من الطرف الذي يستخدمها.

–         تشدد وتصلب على الحدود أو الأوضاع التفاوضية.

–         العناد والتظاهر بعدم تقديم تنازلات.

–         التلميح بالقوة والتهديد.

–         استمرار الضغط على الطرف الآخر.

–         عدم التراجع بسهولة أو بسرعة.

في حالة مواجهة مثل هذه الاستراتيجية فإنك يجب أن تهتم أولًا بامتصاص غضب الطرف الآخر، وذلك من خلال ترك الفرصة له للكلام والتعبير عن هجومه، يلي ذلك أن تسعى إلى استخدام الحجج والبراهين لإقناعه مع الإستعداد لتقديم تنازلات بسيطة، ولكن ليس بسرعة وتحت ضغط الهجوم، وإلا فإنك سوف تضطر أن تقدم المزيد من التنازلات، وتشجعه على الاستمرار في استراتيجية الهجوم.

ب‌-           أنواع الاستراتيجية الهجومية:

وتشتمل الاستراتيجية الهجومية على عدة استراتيجيات فرعية مستمدة من الممارسة العملية للتفاوض، وهي استراتيجية إطلاق ـ أو فتح ـ النار على الطرف الآخر، واستراتيجية الحدود المغلقة، وأخيرًا استراتيجية “أشوفك في المحكمة أو الميدان”.

  1. استراتيجية إطلاق النار:

يُمكِن تَفهم مضمون هذه الاستراتيجية من خلال المثال التالي: (إذا لم توافق فورًا على ….. فإننا غير مستعدين لمناقشة أي شئ آخر)، وهي غالبًا تكون مصحوبة بتهديد بالعقاب.

عندما تواجه مثل هذه الاستراتيجية الهجومية ذات النبرة الحادة والتي تحمل في طيَّاتها التهديد والعقاب عليك أن تدرك أن الطرف الآخر يسعى بقوة إلى إجبارك على الاستسلام إلى مطالبه، أو إلى التخلي عن وضعك الذي كنت تدافع عنه، ومن ثَمَّ إضعاف قدرتك على استغلال وضعك التفاوضي في طلب تنازلات إضافية منه.

وتُستخدم هذه الاستراتيجية المتشددة عادة في حالات التفاوض المشروط، أو التفاوض المسبوق بشروط معينة، أو في حالة وجود مبدأ أساسي لابد من اعتماد التفاوض عليه، مثال ذلك:

(لا تفاوض مع الدول العربية إلا إذا اعترفت بوجود إسرائيل كدولة)، أو (لا مفاوضات مع إسرائيل إلا إذا اعترفت بالحقوق المشروعة للفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وتعهدت بعودة الأراضي المحتلة لأصحابها)، أو (لا استئناف للتفاوض مع إسرائيل إلا إذا كانت المُفاوضات السورية الإسرائيلية سوف تبدأ من النقطة التي إنتهت إليها في عهد الحكومة الإسرائيلية السابقة).

ويلاحظ بالطبع أن مثل هذه الاستراتيجية التفاوضية تحمل في طيَّاتها روح المساومة حيث تعتمد على الشرطية، إن استجابتك أو رد فعلك لمثل هذه الاستراتيجية يتوقف على مدى التوازن في القوة، وعليك أن تسأل نفسك هل الطرف الآخر قوي بدرجة كافية حتى يمكنه فرض طلباته؟

فإذا كانت الإجابة بالنفي عليك أن تتركه يستمر في الكلام عن التهديد والشروط غير المقبولة، وفي المقابل عليك أن تتحدث عن فوائد أو مميزات مناقشة القضية بدلًا من إثارة ما يهدد المصالح والاهتمامات المشتركة للطرفين.

  1. استراتيجية الحدود المغلقة:

يُمكن أن نَلمس استراتيجية الحدود المغلقة من خلال وجود بعض القضايا أو العناصر الفرعية المتعلقة بقضية معينة والتي يسعى الطرف الآخر إلى إثارة الانتباه وتركيز الاهتمام عليها بأنها غير قابلة للتفاوض.

وعند المحاولة للحديث عن هذه القضايا فإن الإجابة تكون مُمَثلة في الرفض الصريح وبعنف، حيث أنها تُمثل حدود ممنوع الاقتراب منها، مثال ذلك:

–   نحن في الحقيقة جاهزون لمناقشة المعايير المستخدمة في الترقية بالمنظمة، ولكننا غير مُستعدين لمناقشة أي شئ يقلل من حق الإدارة العليا في اتخاذ ما تراه مناسبًا بخصوص الترقيات.

–         لا تفاوض على الإرهاب.

–         الديون يُمكن التفاوض على إعادة جدولتها، ولكن لا يمكن التفاوض على إسقاط جزء منها أو إلغائها.

–         لا تفاوض على حدود الأراضي المحتلة في يونيو عام 1967.

في مثل هذه الحالة نجد الطرف الآخر قد يُصر على التفاوض على المسائل التي ترفض أنت التفاوض عليها باعتبارها حدود مغلقة، والاحتمالات في هذا الموقف تتشابه مع ما أشرنا إليه في حال استراتيجية “إطلاق النار”، حيث الأمر يتوقف على ميزان القوة بين الطرفين، أو قد يحاول الطرف الآخر تقديم تنازلات أو إغراءات للتفاوض على الحدود المغلقة.

كما ربما تحاول أنت أن تؤجل هذه المسألة لحين حدوث تَقدُّم في التفاوض على المسائل الأولى الأخرى، أو قد تتمسك بذلك كنوع من التكتيك المتشدد لتأكيد حقك في تقرير ما الذي يُمكِن التفاوض عليه، وللحصول على تنازلات كبيرة في المسائل الأخرى.

ويلاحظ أيضًا أن التصرف التالي: (دعنا نترك من فضلك هذه المسألة الآن ونناقش الأمور الأخرى عسى أن نصل إلى حل لها)، لا يُعبر عن استراتيجية الحدود المغلقة، ولكن ينطوي على تحييد لهذه المسألة في الوقت الحالي، لذلك يجب أن تستخدم استراتيجية الحدود المغلقة من خلال التحديد والحسم والتشدد.

  1. استراتيجية أراك في المحكمة:

من الاستراتيجيات التفاوضية الأخرى التي تأخذ أيضًا الطابع الهجومي تلك الاستراتيجية التي يُمكن تصورها من خلال المثال التالي والمعروف بتعبير “أراك في المحكمة”:

(أنا غير سعيد بوجودي هنا وفي ظل هذه الظروف، ولكنني أعمل بنصيحة وتوجيهات الآخرين لكي أتوصل مرة أخرى إلى اتفاق …. لدي بعض العروض التي اقترح أن تدرسها بعناية، وذلك لأنك إذا تصرفت بشكل غير مقبول سوف أكون سعيد لحل هذا النزاع بوسائل أخرى متاحة لي …).

لقد تم استخدام هذه الاستراتيجية المتشددة عند بداية التفاوض بين الحكومة والمتمردين في دولة السلفادور، حيث عبر كل طرف في البداية عن رغبته في التفاوض من أجل السلام، ولكن كل منهما أعلن أيضًا عن استعداده للعودة بكل أسف لمواصلة الحرب الأهلية في حالة عدم موافقة الطرف الآخر على تقديم تنازلات كبيرة للوصول إلى اتفاق.

في حالة مواجهتك لمثل هذه الاستراتيجية فإنه من الأفضل أن تُفكر قبل أن ترفض، حتى تضمن استمرارية التفاوض، كما يجب أن تُفكر في الوسائل التي يمكن أن تُدافع بها وتقلل من تأثير التهديد الذي صرَّح به الطرف الآخر، من الممكن أن تكون مستعدًّا لتقديم تنازلات إذا كان الذهاب إلى القضاء في غير صالحك، ولكن لا تندفع في تقديمها، ولا تقدم الكثير في البداية.

ثانيًا ـ الاستراتيجية الدفاعية:

كما يتضح من الاسم، فإن الاستراتيجية الدفاعية تنطوي على قيام المُفاوض بالدفاع عن موقفه أوعن حدوده وأوضاعه التفاوضية، كما تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقليل حجم التنازلات المطلوب تقديمها، أو الرغبة في الحصول على تنازلات من جانب الطرف الآخر، أو إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو إلى تصحيح الأوضاع والمحافظة على استمرار العلاقة بين الأطراف المُفاوضة.

ومن بين الظروف التي تضطر المُفاوض إلى اتباع هذه الاستراتيجية ما يلي:

–         عندما يكون المُفاوض في موقف ضعيف.

–         عندما تكون هناك الرغبة في تقليل الخسائر إلى أقل حد ممكن.

–         في حال المواجهة الأولى لاستراتيجية هجومية من الطرف الآخر.

ويراعى عند اتباع هذه الاستراتيجية الاهتمام بالجوانب التالية:

–         تقديم المبررات الكافية والمقنعة باستخدام الأدلة الموثقة.

–         استخدام الحقائق والأرقام.

–         المصارحة في بعض الأحيان.

–         التدرج أثناء الدفاع.

–         شراء الوقت.

–         ضبط الأعصاب والصبر وتحمل أي سخرية أو رفض للمقترحات.

–         التراجع أحيانًا وبشكل منظم “الانسحاب الهادئ والمنظم”.

–         طلب تعويض أحيانًا، حتى لو كان تعويضًا نفسيًا.

لهذا يقول الدكتور مصطفي محمود أبو بكر: (وعلى عكس استراتيجية الهجوم يُدرك المُفاوض أن موقفه أضعف نسبيًا في استراتيجية الدفاع، وبالتالي يستهدف تقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن، أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

كما يمكن تبني هذه الاستراتيجية كخطوة مرحلية في العلاقات الثنائية لحين استجماع القوى وترتيب الصفوف على أمل أن يتم ذلك في جلسات لاحقة من المُفاوضات، ويكون السلوك هنا تكتيكيًا أكثر منه استراتيجيًا).

ثالثًا ـ إدارة الأمور بحيث تكون أنت في جانب الهجوم:

يقول جورج فولر: (مهما كان موقفك التفاوضي يبدو معقولًا، فإنك قد تجد نفسك مُعاقًا عن إحراز التقدم نحو التوصل إلى اتفاق إذا كنت في جانب الدفاع باستمرار أثناء المُفاوضات، لهذا يُعدُّ من مصلحتك أن تمسك بزمام عملية التفاوض، وهناك عدد من الأفعال التي يُمكنك القيام بها لتحقيق هذا الهدف، ومن بينها:

–         السيطرة قدر الإمكان على ترتيبات المُفاوضات، مثل اختيار مكان وزمان الجلسات.

–         دفع الطرف الآخر إلى تقديم العرض الأول.

–         طرح الأسئلة التي تكشف نقاط الضعف في مركز الطرف الآخر.

–   استغلال فترات التوقف في المناقشات في التنقيب عن المزيد من نقاط الضعف في عرض الخصم، فلتقل شيئًا مثل: (الآن وقد توقفنا قليلًا، لننظر إلى …).

–         الاستفادة من الوثائق في تدعيم مركزك، اطلب من الطرف الآخر أن يدعم ما يقوله بالوثائق في المقابل.

وأخيرًا ينصح الدكتور ثابت عبد الرحمن إدريس: (لا تتعامل مع الاستراتيجية الهجومية للطرف الآخر باستراتيجية هجومية مضادة، بل حاول امتصاص الغضب واستيعاب الهجوم، ثم الدفع والإقناع لكن لا تستسلم، ولا تندفع في تقديم التنازلات).

أهم المراجع:

  1. دليل المُفاوض، جورج فولر.
  2. التفاوض الناجح، د.مصطفي محمود أبو بكر.
  3. لتفاوض مهارات واستراتيجيات، د.ثابت عبد الرحمن إدريس.
  4. التفاوض في الحياة والأعمال، د.صديق محمد عفيفي.
هل أعجبك المقال؟ شاركه: 𝕏 تويتر f فيسبوك 💬 واتساب ✈ تيليغرام

اترك تعليقاً