جلس صاحبنا أحمد على شاطئ البحر يتأمل منظر الغروب، والشمس تأذن بالرحيل، وتجر آخر أشعتها الذهبية، تاركة صفحة المياه، لتشرق في مكان آخر، وبينما هو على ذلك إذ بصديقه محمد يمر به فيجده مهمومًا حزينًا مطرقًا، فافترش رمال البحر الناعمة بجواره، وسأله قائلًا: (لماذا تبدو مهمومًا يا صديقي العزيز؟)، فقال أحمد: (كنت منهمكًا بالتفكير في أمر ما)، فبادره قائلًا: (وما ذاك يا أحمد؟)، قال: (المستقبل يا صديقي العزيز)، فرد عليه محمد: (ما لك وما للمستقبل؟ عش حاضرك يا صاحبي)، فقال: (لا أستطيع أن أتوقف عن التفكير في مستقبلي، وكيف سيكون؟)، واستمر الصديقان يتجاذبان أطراف الحديث، حتى غربت الشمس عن الآفاق، وبدأت النجوم تتسلل الواحدة تلو الآخرى، حتى امتلأت السماء بهن، والاثنان ما بين شد وجذب، بين عش حاضرك ولا تقلق، وبين فكر في مستقبلك وتألم، فإلى أي الفريقين تميل؟
على منصة التتويج.
إنها تلك الكلمة التي تثير مشاعر الألم في كل من يسمعها، هل تعرف أنها تحتل المركز الأول بجدارة واستحقاق في سجل الأمراض النفسية، التي يصاب بها إنسان العصر الحديث؟ وهذا ما يؤكده الدكتور محمد عبدالله شاووش، استشاري الطب النفسي، ومدير مستشفى الصحة النفسية بجدة حين يقول: (يمثل القلق النفسي المرتبة الأولى في الانتشار بينالأمراض النفسية)، ويضيف الدكتور شاووش أن (كل شخص بين أربعة أشخاص يعاني من القلق النفسي خلالفترة حياته، بينما هناك 17,7% يعانون من القلق في أي وقت في السنة، وتزيد نسبة القلق النفسي في المجتمعات البسيطة والفقيرة).
احذر من هذه العلامات.
وتظهر أعراض هذا القلق النفسي على شكلين:
1. الشعور بالعصبية، أو التحفز والخوف، وعدم الإحساسبالراحة.
2. الأعراض الفسيولوجية الجسمية كخفقان القلب، أو رعشة اليدين،أو آلام الصدر، وبرودة الأطراف، واضطرابات المعدة، وغير ذلك، والقلق النفسي أيضًا يؤثرعلى التفكير والتركيز؛ مما يكون له مردود سلبي على التحصيل الدراسي أو العملي.
أضرار القلق.
وينتج عن إصابة الإنسان بالقلق كثير من الأمراض، من أهمها ما يلي:
1. القرحة المعدية.
2. داء السكري (مرض السكر).
3. الأمراض القلبية.
4. تذبذب ضغط الدم، بين ارتفاع وانخفاض مفاجئ.
5. بعض أنواع الشلل.
6. الجلطة الدماغية.
أو كما يقول ديل كارنيجي عن أضراره: (وفي أهون الأحوال يؤدي القلق إلى الصداع الذي يسبب الإدمان على المسكنات والمهدئات، فالأطباء النفسيون يقولون أن القلق يسبب أمراضًا نفسية خطيرة، وقد يؤدي إلى الانهيار العصبي الشامل).
أسباب القلق.
ولهذا المرض العضال كثير من الأسباب والعوامل التي تساعد في حدوثه وتأثيره السلبي على الإنسان، خاصة في العصر الحديث، ومن تلك الأسباب ما يلي:
1. العيش في أسر الماضي.
فبعض الناس تكبلهم ذكريات الماضي، من إحباطات أو فشل، فيعيشون في ظل تلك الذكريات.
2. الخوف من المستقبل.
وهذا من أكثر الأسباب التي تجعل الإنسان لا يستمتع بحاضره؛ لأنه لا يرى ما فيه من نعم أعطاه الله إياها، ولا إنجازات كتب الله له تحقيقها، فيهمل كل تلك الأمور، ويركز انتباهه على مستقبل لم يصل إليه بعد.
3. عدم الرضا عن الواقع.
فقد ترى أحد هؤلاء المصابين بالقلق النفسي، وقد تفوق في دراسته، ونجح في عمله، وحباه الله من المال الكثير، وبدلًا من شكر تلك النعمة، فهو يرى أنه لم ينعم الله عليه بأي من تلك النعم.
4. الفراغ والبطالة.
يقول ديل كارنيجي: (كما أن الهواء يملأ كل فراغ يصادفه، فكذلك الأفكار والأحلام تملأ كل دقيقة فراغ في وقتنا)، وفي حالة الفراغ والبطالة، فإن القلق سيملأ ذاك الفراغ.
روشتة العلاج.
ولكن يبقى السؤال الأهم، وهو كيف السبيل إلى أن نقول جميعًا للقلق وداعًا إلى الأبد، ولذا نذكر بعضًا من النصائح التي تعين في التخلص من ذلك القلق، ومنها:
1. لا تضيع تلك النعمة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) [رواه البخاري]، فنعمة الفراغ تلك لا بد من استثمارها، فكما يقول الشافعي رحمه الله: (نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل).
2. تعاون معه ولا تعاكسه.
هل تستطيع أن تغير ما قدره الله لك؟ بالتأكيد ستقول لا، إذن لماذا لا ترضى به؟ إن من أهم علاجات القلق تقبل ما قدر للإنسان في حياته، فهو قدر الله الذي يعلم الخير والنفع لكل إنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلم: ((… ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك…)) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة].
3. حمَّام داخلي.
كما يصفه ديل كارنيجي في كتابه دع القلق وابدأ الحياة، وهو الحمام الذي ننظف به الماضي بكل ما كان فيه من تجارب فاشلة، أو برمجة سلبية قديمة، ويتأتى ذلك بأن ننظر لتجارب الماضي من زاوية التعلم من أخطائنا فقط، وليس العيش في تلك المشاكل.
4. اصنع الابتسامة.
فإن من يرسم البسمة على وجوه الآخرين، لابد وأن ينال شيئًا من تلك الابتسامات، ولذا احرص على أن ترى من حرموا نعمة من نعم الله، واشرع في رسم البسمة على شفاههم، بأن تزور مريضًا، أو مسنًا، أو تمسح على رأس يتيم، أو تقضي يومًا مع بعض من المكفوفين، واسع في أن تملأ قلوبهم بالفرحة والسعادة، فكما يقول الدكتور عبد الكريم بكار: (لم نكن في يوم من الأيام أحوج إلى الاستبشار والبشرى منا في هذه الأيام).
وأخيرًا لا تنس أن الطمأنينة هي نتيجة السعي الدائب الحثيث من أجل رضا الله، ودوام ذكره عز وجل، فهو القائل في كتابه: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: ٢٨].
أهم المراجع.
1. دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي.
2. 50 شمعة لإضاءة دروبكم، الدكتور عبد الكريم بكار.
3. نعم تستطيع، سام ديب وليل ساسمان.
4. مقال بعنوان: القلق والتوتر النفسيAnxiety & Stress disorder، الدكتور محمد عبدالله شاووش، موقع www.sehha.com.
5. موسوعة الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، على بن نايف الشحود.