ما هي القوة “المظلمة” التي تعمل في الأسواق المالية؟

كثيرًا ما تتناقل الألسنة مثل تلك القصة على المستوى العالمي: “سوق الأوراق المالية  غير منضبط، حيث تجني مجموعة سرية من المؤسسات المالية غير الشفافة مليارات الدولارات من التداول المكثف، عديم الجدوى اجتماعيًا، – وتقوم بوضع وسحب أوامر الأسهم مئات الآلاف من المرات في الثانية، مع تحقيق كل هذه الأرباح، بطريقة أو بأخرى، ليصبح مستثمرون صغار، لا يمكنهم المنافسة أكبر الخاسرين على الإطلاق”.

سوق نيويورك القديمة

كتاب “تصميم يدعم الظلام: القوة الخفية في الأسواق العالمية”، الذي ألفه “والتر ماتلي” أستاذ الاقتصاد في جامعة “أكسفورد”، يوضح وجود مثل هذه الحالة في سوق الأوراق المالية، مشيرًا إلى أن السبب الرئيسي في عدم وجود قواعد جيدة حاكمة للنشاط الاقتصادي، بما يؤثر سلبًا على الأسواق المالية ومًجمل الاقتصاد.

ويذّكر الكاتب بسوق الأوراق المالية في بورصة نيويورك القديمة، حيث كانت هناك الكثير من قواعد الحوكمة الهادفة إلى ضبط الأسواق، والتي تشمل عدم السماح للوسطاء تحت أية ظروف المشاركة في التجارة لحسابهم الشخصي، مع السماح لهم بأداء كافة الوظائف التي تستلزمها وظيفتهم، من توجيه للنصح وجمع للمعلومات (بطريقة مشروعة).

وفي بادئ الأمر كانت كافة العمليات التي تتم في السوق تخضع لرقابة من جانب السلطات المختصة، ومع توسع العمليات بدأت الرقابة تقتصر على بعض العمليات التي تزيد قيمتها عن قيم معينة، تغيرت مع مر الزمن قبل تحول الرقابة لتصبح عشوائية وعلى تلك العمليات التي تثير الشبهات.

وعلى الرغم من إقرار “ماتلي” بأنه من شبه المستحيل مراقبة كافة العمليات التي تجري بالملايين في مختلف الأسواق المالية، إلا أنه يشير إلى أن برامج الذكاء الاصطناعي التي يتم استخدامها في مراقبة الأسواق التي تصبح معقدة أكثر وأكثر باستمرار تم تصميمها “من قبل هؤلاء الذين يفترض أصلاً مراقبتهم”.

“التداول الرصين”

وهناك بعض القواعد التي كانت قائمة أيضًا من أجل الحفاظ على “التداول الرصين” ويقصد به عدم استخدام الأموال بصورة سريعة للغاية بغية التأثير على الأسواق بطريقة معينة يحقق بها “ضغطًا على السوق” بما يمكنه من النهاية  من حصد الأرباح كما يحدث حاليًا.

ففي حالة الشراء والبيع السريعين، أو حتى شراء أسهم كثيرة متفرقة في نفس القطاعات، كان السوق يفرض قيودًا على المتبادل والوسيط في سوق نيويورك، حرصًا على “عدالة التداول”، خاصة أن مثل تلك العمليات من شأنها منح بعض الأطراف أرباحًا قياسية، وأخرى خسائر قياسية.

فهناك حالة من الإصرار على حماية كبار المتداولين، فهم لا يظهرون للواجهة من الأصل، وذلك من خلال العديد من الوسطاء الذين يعملون لمصلحتهم، وكثيرًا ما يتخفون وراء شركات إدارة الأصول التي تتمتع بعلاقات واتصالات واسعة تسمح لها بسن “أطر” سوق ملائمة، كما هو الحال في إيقاف المراقبة العامة للأسواق.

وكان من بين نجاحات بورصة نيويورك في الإدارة وجود عدد من الإجراءات التأديبية الناجعة ضد من يخالف قواعدها، وتشمل تلك القواعد فرض غرامات تصاعدية، ومنع من التداول لفترة قصيرة، ومنع من التداول لفترات أطول أو حظر تام عن دخول السوق.

وعلى الرغم من وجود مثل تلك القواعد في السوق الحديث للأوراق المالية، إلا أن نطاقها أصبح أضيق كثيرًا من جهة، كما أن نسبة المتعاملين الذين تم فرض إجراءات تأديبية ضدهم خلال العشرين عامًا الأخيرة لم تتجاوز 0.15% فحسب من كافة المتداولين، بينما تخطت 4% في الفترة بين 1917 (تاريخ إقرار قواعد صارمة للتداول) و1945.

نهاية الالتزام السلبي

ويقول “ماتلي” إن مثل هذا التراجع لا يعود بطبيعة الحال إلى المزيد من الالتزام بقواعد السوق، ولكن بسبب زيادة حالة “التركيز في الملكية” في الأسواق، بما يجعلها تعاني مما يشبه الوضع الاحتكاري، بكافة مضاره، بسبب سيطرة عدد قليل من كبار المضاربين على التداول ليوجهوه كيفما شاؤوا.

ويرجع الكاتب أن يكون كبار المتداولين في السوق الأمريكي مسؤولين عن قرابة 96% من التداول في الأسواق المالية، مع ملاحظة أن أكثر 80% من هذا التداول هو “زائف” ويهدف للمضاربة بشكل واضح أكثر مما يهدف للاستثمار طويل المدى أو حتى الاستفادة من النمو المضطرد المتوقع لشركة أو لصناعة بعينها.

ويشير “ماتلي” إلى أن أخطر ما حدث في السوق الأمريكي إبان الأزمة المالية العالمية هو إلغاء ما يعرف بـ”الالتزام السلبي” في عام 2008، ويقصد به إلزام الوسطاء بعدم التدخل بإدارة حساباتهم الشخصية إلا إذا كان مثل هذا التدخل سيسهم في سد فجوة غير مبررة بين العرض والطلب.

ويعتبر “ماتلي” أنه بإلغاء مثل هذا الالتزام فإن صناع السوق تحولوا إلى “وسطاء مصممين على زيادة الأرباح قصيرة الأجل”، وكان لهذا تأثير في تحويل صناعة السوق إلى “مؤسسة عدائية وانتهازية”، هو ما رأه بمثابة “المسمار الأخير في نعش الأسواق”، التي تحتاج للعودة لقدر أعلى من المركزية وتوحيد قواعد التداول، للبقاء على قيد الحياة.

Related Posts

اترك تعليقاً

google-site-verification=RJwRTQO4f0sZWqr8TqNBYuvg0sH70h7mf4D7rVAvRvw