كيف تنجو الشركات في عالم سريع التغير

إن أعظم الانتصارات العسكرية في التاريخ هي في الأصل معارك في الحركة والمناورة والإجراءات السريعة غير المتوقعة من جانب أحد طرفي الحرب لكسب ميزة على القوة المناوئة.

 

 

وفي المقابل، كانت معظم حالات الفشل في المعارك نتاج الفشل في المناورة أو فشل القائد العام للقوة المحاربة في التكيف والاستجابة الفورية للتغيرات التي تشهدها ساحة المعركة.

 

الكماشة

 

في معاركه التي خاضها في الحرب العالمية الثانية ضد الجيش الألماني استخدم الجنرال الأمريكي “جورج باتون” تكتيك الكماشة أو الضربة المزدوجة وهو شكل من أشكال المناورة يقوم فيه الطرف المدافع بمهاجمة جناحي الطرف المهاجم في ذات الوقت الذي يهاجم فيه المهاجمون قلب الجيش المدافع، الذي يتراجع بدوره بانتظام حتى يتمكن جناحاه من تطويق المهاجمين.

 

بدأت استراتيجية “باتون” الهجومية بدفع قوة من المشاة في هجوم أمامي على القوات الألمانية بهدف استفزازها للتحرك إلى الأمام. وبالفعل قامت القوات الألمانية بالتحرك ناحية قلب القوات الأمريكية بهدف صد الهجوم. ولكن في نفس اللحظة أمر “باتون” قواته المدرعة بالالتفاف حول القوات الألمانية وتطويقها من جهتي اليمين واليسار وعزلها من الخلف.

 

 

خلال الحرب، استخدم “باتون” هذه الاستراتيجية أكثر من مرة ونجح بفضلها في تطويق وعزل واحتجاز أكثر من 350 ألفاً من الجنود الألمان دون تعرض قواته الخاصة لأي أضرار كبيرة.

 

في العلوم الاستراتيجية، تعتبر المناورة وسيلة لتحقيق تفوق حاسم على الخصم، ولكن يجب دائماً القيام بالحركة وتحديد المواقع بقصد وضع الخصم في وضع غير مؤات نسبيًا. وفي كثير ما تحقق المناورة نتائج لا يمكن أن يحققها الاصطدام المباشر إلا بتكلفة باهظة من الجنود والمعدات.

 

سوق الكمبيوتر الشخصي .. آبل في مواجهة مايكروسوفت

 

إن كل ما وصلت إليه أي شركة – مهما كان نجاحها – لا يضمن لها بأي شكل الحفاظ على مكانتها. فالمنتجات والخدمات والعمليات والمبيعات والإعلانات والاستراتيجيات والتكتيكات تتقادم بشكل سريع، ولذلك أصبحت قدرة الشركة على الوصول لطرق أسرع وأفضل وأحدث لإدارة أعمالها أمرا حيويا جداً لنجاحها في سوق مضطرب سريع التغير.

 

في كتابيهما “المصائب العسكرية: تشريح الفشل في الحرب” الصادر في عام 1990 حدد المؤلفان “إليوت كوهين” و”جون جوتش” ثلاثة أسباب للفشل في الحرب تنطبق بشكل كبير على البيئة الحالية للأعمال التجارية، وهي: الفشل في التنبؤ والفشل في التعلم وأخيراً الفشل في التكيف.

 

إذا بدأنا بالفشل في التنبؤ فسنجد أنه يشير إلى عجز أو عدم رغبة القائد في إلقاء نظرة على المستقبل والتفكير في جميع الإجراءات المحتملة التي يمكن أن يتخذها خصمه لهزيمة قواته.

 

 

في بداية عصر الكمبيوتر الشخصي دخلت شركة “آبل كمبيوترز” إلى السوق بقوة وطورت جهاز كمبيوتر يحمل اسماً مألوفاً كان سهل الإعداد والاستخدام. وتبعت “آبل” شركات أخرى بمنتجات مماثلة أشهرها كمبيوتر “آي بي إم” والذي كان يعمل بنظام التشغيل “إم إس دي أو إس” الذي طورته شركة صغيرة في ذلك الوقت تدعى “مايكروسوفت”.

 

في ذلك الوقت نظر كل من “ستيف جوبز” مؤسس “آبل” و”بيل جيتس” مؤسس “مايكروسوفت” إلى مستقبل الحوسبة الشخصية وأنظمة التشغيل والبرمجيات وانتهى كل منهما إلى استراتيجيته الخاصة.

 

اتخذ “ستيف جوبز” القرار الاستراتيجي بحماية نظام تشغيل “آبل” وبرمجياته ضمن نظام مغلق. ومن خلال القيام بذلك، يمكنه فرض أسعار أغلى وكسب أرباح تصل إلى 50% عن مبيعات الشركة. وطالما كانت “آبل” هي الخيار المفضل لكثير من الناس سيكون هؤلاء على استعداد لدفع أسعار أجهزتها مهما كان سعرها.

 

على الجهة الأخرى نظر “بيل جيتس” إلى مستقبل أجهزة الكمبيوتر الشخصية ورأى صورة مختلفة. كان هدفه هو “كمبيوتر لكل شخص وعلى كل مكتب”. وخلص “جيتس” إلى أنه كلما زاد عدد البرامج المختلفة التي يمكن تشغيلها على نظام التشغيل زادت رغبة الشركات المصنعة في تثبيت ذلك النظام على أجهزتها.

 

 

ولذلك جعل “جيتس” نظام التشغيل “ويندوز” متاحاً لمصممي البرامج في جميع أنحاء العالم. وأثبتت الأيام أن استراتيجية “جيتس” كانت أنجع بكثير من تلك الخاصة بـ”جوبز”. فاعتباراً من أبريل 2019 تم تثبيت نظام التشغيل “ويندوز” على حوالي 80% من أجهزة الكمبيوتر المكتبية حول العالم في حين أن “آبل” التي تحاول حماية هوامش ربحها العالية لا تسيطر على أكثر من 15% من السوق.

 

الفشل الذي لا يغتفر

 

نأتي للسبب الثاني من أسباب الهزيمة العسكرية والفشل في الأعمال التجارية وهو الفشل في التعلم من الأخطاء.

 

قال “توماس واتسون الابن” الرئيس الثاني لشركة “آي بي إم” في الفترة ما بين عامي 1952 و1971، والرئيس الحادي عشر للكشافة الأمريكية والسفير الأمريكي السادس عشر للاتحاد السوفييتي “لا مانع لدينا من ارتكاب الأخطاء هنا، فهذا عادي وطبيعي. ولكن ما لا يغتفر هو الفشل من التعلم من تلك الأخطاء، مما يؤدي إلى تكرارها”.

 

الإدارة الناجحة هي من تتعامل مع كل خطأ تقع فيه باعتباره تجربة تعليمية، وتسعى جاهدة لاستخلاص الدروس منه. فحرص الشركة على التعلم من أخطائها وإخفاقاتها يجعلها أكثر قدرة على النجاح والنمو بمعدلات أسرع في المستقبل.

 

 

أما السبب الثالث للفشل العسكري والتجاري فهو الفشل في التكيف. وهنا تبرز بشكل واضح أهمية مبدأ المناورة. فبغض النظر عن مدى دقة خطط وأهداف الشركة يجب أن تتذكر الإدارة دائماً المبدأ العسكري الشهير : “لا توجد أي خطة ليس فيها احتكاك مباشر مع العدو”.

 

يجب أن تتحلى إدارة الشركة بالمرونة وأن تكون مستعدة لقبول الملاحظات وتصحيح المسار بسرعة، ويجب كذلك أن يكون لديها مسبقاً العزم على التكيف والاستجابة بطريقة فعالة عندما تتغير المعطيات. في نفس الوقت لا يجب أن تسمح الشركة لنفسها بأن تقع في حب منتج أو خدمة معينة مهما كان نجاحها. ببساطة يجب أن نكون منفتحين  دائما على احتمال أن نكون مخطئين.

 

 

المصادر: أرقام
Military Misfortunes: The Anatomy of Failure in War
Victory! Applying the Proven Principles of Military Strategy to Achieve Success in Your Business and Personal Life

Related Posts

اترك تعليقاً

google-site-verification=RJwRTQO4f0sZWqr8TqNBYuvg0sH70h7mf4D7rVAvRvw